المعركة مستمرة
كتبهاعبدالرحمن السمان ، في 27 سبتمبر 2006 الساعة: 22:28 م
الخطبة الاولى
أما بعد أيها الأخوة المؤمنون :
قصة عجيبة أبدأ حديثي بها، لما فيها من لفت النظر إلى عجيب التصرف والتفكير، ولما فيها من اختلال الأمور والموازين، تلك قصة لرجل يعاني مرضا في قلبه، فيه ثقب وضيق شرايين وعاهة مرضية قد استمرت ليس يوما ولا يومين، ولا عاماً ولا عامين، بل هي تزيد عن عقود خمسة أو ستة، وشاء الله جل وعلا رغم كل هذه المعاناة ألا يكون ثمة من يعينه على شفاء علته وبرأ مرضه لا بمساعدة طبية ولا بأخرى مالية أو بأي سبب من الأسباب المعنوية أو الحسية، غير أنه فجأة أصيب في قدمه بجرح غائر إلى حد ما، وهنا نزف الدم وظهر الأثر مع أن المرض الأخطر الكامن في القلب غير المنظور قد يودي بالحياة، لكن هذا الذي لفت النظر، فاجتمع بعض من يهمهم أمره، وقبل أن يشرعوا في استدعاء الإسعاف أو طلب الطبيب أو إقامة ما يلزم من الإسعافات الأولية، ظلوا يفكرون أولا من الذي صنع الجرح؟ وهل هو حديدة نزلت عليه؟ أو زجاجة جزت قدمه؟ وبقوا في ذلك يختلفون والجرح ينزف ويصب، وأحدهم يقول: نحتاج نقله إلى المستشفى، والآخر يقول: الأفضل أن نسرع بالإسعاف إليه، والثالث يقول: لعل الأفضل أن نعالجه هنا سريعا قبل أن ننقله، والدم يصب والجرح يزداد ألما، وبعد فترة استطاعوا بشيء من التوافق بعد الاختلاف أن يضمدوا جرحه لا أن يعالجوه، وأن يوقفوا نزيف جرحه لا أن يخيطوه ويكون قد اندمل، وبعد أن صنعوا ذلك فرحوا بعلاج مؤقت لجرح صغير، ولم يفكر أحد منهم في أن هذا المريض مصاب في قلبه، ويوشك بين لحظة وأخرى أن تكون حاله في أسوأ الأحوال، بل إنهم بعد علاج ذلك الجرح ظلوا مختلفين، من الذي كان له فضل علاجه، ومن الذي سيكون مستفيدا من قدمه تلك إذا مشى عليها، والعجب كل العجب أن أحدا لم ينظروا إلى العلة الكبرى في القلب، رغم أنه أثناء ذلك الجرح وعلاجه والاختلاف فيه قد أصيب القلب بجلطات كثيرة، وزادت علته أكثر فأكثر .
هذه القصة ليست من نسج الخيال، هي قصة تعرفونها وعشتم أيامها ولياليها، إنها قصة جسد أمتنا الذي أصيب بجرح بالغ في لبنان وقلبه العليل في فلسطين، ما يزال يشكو ويئن، ليس هناك في الحقيقة وقف لا للعمليات العسكرية ولا لإطلاق النار ولا لعدوان ولا لجرائم؛ لأنها كانت قبل ذلك وأثناء ذلك وبعده كذلك مستمرة في أرض فلسطين، حتى ألفها الناس، لم يعودوا ينظرون أن هناك ثمة مرض ولا هناك جرح ولا هناك دماء تنزف ولا أرواح تزهق ولا بيوت تهدم، ولا وزراء يختطفون، ولا شيء مما نراه من كل تلك الجرائم التي لم تتوقف يوما واحدا ولا لحظة واحدة، ولست أدري أين الذين تنادوا لإسعاف ذلك الجرح في القدم واختلفوا حوله، ورأوا أنهم قد أبلوا بلاء حسنا فيما ضمدوا من جرحه، أين هم من قلبه؟ أين هم من مصابه الأعظم؟ أين هم من قضيته الكبرى؟ أين هم من محور الرحى التي تدور على الإسلام والمسلمين في أرض الإسراء أرض فلسطين، ثمة ما يلهي ويغري إذا جئنا للطفل وهو يريد طعاما لعبة فإنه يتلهى بها قليلا، لكن الجوع مرة أخرى يقرصه فيعود يطالب بالطعام ويبكي يلهى بلعبة أخرى، سيثور مرة أخرى جوعه ويدعو ويرجو ويلح في طعامه، ليس ثمة شيء يمكن أن ينسي الإنسان حاجته الكبرى، وأولويته العظمى في طبيعة حياته الفطرية البشرية، فكيف بأمة محمد صلى الله عليه وسلم في طبيعة عقيدتها الإيمانية، وإسلامها الذي به عزها، والذي بضياعه ضياعها .
صورة عجيبة نراها في حال أمتنا وربما تظهر جلية بصورة أوضح في القيادات والزعامات والمواقف الرسمية رأيناها كيف كانت في جموع الأمة إلا من رحم الله تبدي صورة الشلل التام، والعجز القاهر، ورأيناها كذلك وهي تناور وتختلف والعجب كل العجب بعد انتهاء هذه الجولة الإجرامية، وجدنا الخلاف محتدما والصراع متأججا، والمعارك محتدمة ليست مع عدونا الأكبر الأعظم اليهود الصهاينة وحلفائهم من الصليبين المحافظين الفاشيين أو سمهم ما شئت، كلا بل اليوم العداء داخلي، ومن هنا أنقلكم إلى عنوان حديثنا المعركة مستمرة، ليست بمجرد ما يجري في جرحنا الدامي في أرض فلسطين، لأنها وللأسف الشديد لم تعد أي تلك الجراح والمآسي تقض مضاجعنا، ولا تثير حزننا، ولا تسيل دموعنا، ولا تنغص علينا حياتنا، أصبحت كبرنامج يومي يمر نسمعه في نشرة الأخبار، ثم نسمع بعده الغناء والرقص كأن شيئا لم يكن، لكنني أنظر إلى المعركة في دائرتها الأكبر، والتي تخصنا نحن، أما أولئك فمنهم أبطال قد ذكرت لكم شيئا من قصصهم وسأذكر اليوم شيئا آخر، هم بفضل الله عز وجل ثم بإيمانهم العظيم ويوقينهم الراسخ، وتوكلهم الصادق، وثقتهم القوية، واستمدادهم من الله، واستنصارهم بالله، لم يعودوا ينظرون إلينا، ولا يتأملون فينا، ولا يرتقبون منا، فقد غسلوا أيديهم إلا من قليل الأمة الصادق المخلص الذي يدعو لهم، أو يمد يده لهم، أو يتحرق ويتلمض حزنا عليهم، لكنني أنظر إلى المعركة كما قلت في ديارنا وصفوفنا، وبين خللنا، إنها معركة خطيرة، أولها التفتيت والتفريق، إنني قد ذكرت لكم أن الأمة فيما مضى في عام ثمانية وأربعين، حاربت سبع دول، وفيما بعد ذلك في سبعة وستين كانت ثلاث دول وفي ثلاث وسبعين دولتان، وفي اثنين وثمانين دولة واحدة، وفيما بعد ذلك أقل، وأحسب أنها اليوم باتجاه الانتهاء النهائي كما يتصور أولئك الأعداء من اليهود عليهم لعائن الله، أقول إن هذا الأمر ظاهر جلي، والحكمة عند العرب في قول شاعرهم:
تأبى الرماح إذا اجتمعنا تكسرا == وإذا افترقنا تكسرت آحادا
تلك دولة عندها اتفاقية، وتلك دولة عندها التزامات دولية، وتلك عندها وثائق رسمية، وتحولت الدول والأمم العربية من مشاركة إلى متفرجة، وفي أحسن الأحوال يمكن أن تكون ناطقة متكلمة، لم يعد أحد اليوم يخصه شيء، كل قطر وبلد تقول أنا مسئولة عن نفسي، وليس الأمر كذلك فنرى أن هذا الانفراد هو الذي أودى بالأمة إلى هذه الحال المزرية من ضعفها وكاد يغيب في حياة الأمة قوله جل وعلا: {إنما المؤمنون إخوة} .. {وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون}
أين هذه الأمة والواحدة، أين صيحة وامعتصماه التي لباها المعتصم بجيش عظيم؟ أين تكل النداءات التي كانت يوم تصدر في صرخة واحدة في زمن النبوة يلبي لها المصطفى صلى الله عليه وسلم نداء تلبية عظيمة قوامها القوة والحزم والعزم والعزة والكرامة، وننظر فنرى أن خطاب أمتنا في كتابنا إنما هو خطاب الأمة المجتمعة المتوحدة على إيمانها وعلى نهج رسولها صلى الله عليه وسلم، منذ عهد أبينا إبراهيم الخليل عليه السلام : {ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك}
ليس أفرادا يصلون وحدهم، ليس آحادا يدعون الله في جوف الليل وحدهم، بل أمة لها كلمة واحدة نافذة، وأمر واحد جامع، كذلكم كانت في تاريخها، كذلكم جمعها النبي صلى الله عليه وسلم أفرادا قلائل، في مكة المكرمة في دار الأرقم بن أبي الأرقم، من هناك تكونت عصبة فيها صهيب الرومي، وفيها بلال الحبشي، وانضم سلمان الفارسي مع أبي بكر التيمي، وعمر العدوي، وكل الصحابة رضوان الله عليهم، لم يعد شيء يميز أحدا عن أحد، لم يعد أحد ينتسب إلى قطر ولا إلى أرض ولا إلى حدود، كان الإسلام رابطتهم، والإيمان عصمتهم، والرسول قدوتهم، والقرآن دستورهم فكانوا أعز أمة أخرجت للناس وقادت الأمم، ويوم تفرقت وذهبت ريحها باجتماعها على كتاب ربها وسنة نبيها، لم يعد يصدق فيها ذلك الوعد الرباني القائم متى جددت إيمانها وعهدها مع ربها { كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله } .. { وكذلكم جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا } .
أين هذه الأمة ؟ أين هي إذا أرادت أن تجتمع اجتماعا واحدا في نائبة عظيمة لم تجتمع كلها، وإذا اجتمعت وفودها لم يجتمع زعمائها، وإذا اجتمع زعمائها لم يخرجوا بشيء يذكر، إن هذا هو مخطط أعدائنا، ولا تظنوه على مستوى الدول، بل هو على مستوانا نحن، معاشر المؤمنين والمسلمين، دقت بيننا مسامير الفرقة، إقليمية طائفية، مذهبية، دعوية، علمية، علماء هذه البلاد، علماء تلك البلاد، هذا هو المذهب، تلك هي الطائفة، حتى لم يعد أحد يرى في أكثر من ألف وأربعمائة مليون، صرخة واحدة ولا كلمة مجتمعة في أمر واحد وذلك هو الذي يطمئن به أعدائنا، لأنهم يعلمون أن اجتماع الكلمة يعني زوالهم، ويعني هزيمتهم، ومن ثم فإن أبرز ما يسعون إليه هو هذه الفرقة والتفتيت، فكل عاقل يدرك سهم عدوه ينبغي أن يكون درعه الحصينة تكافئ ذلك، فلا ينبغي أن نقبل بهذه الفرقة ولا أن يكون في قولنا أو فعلنا ما يزيدها ويعمقها كما هو حالنا جميعا إلا من رحم الله، ألسنا نسمع حديث النبي صلى الله عليه وسلم من حديث النعمان عند مسلم وغيره في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: ( المسلمون كجسد واحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) .
وفي حديث أبي موسى عند البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ) .
هل رأيتم لبنة إلا وهي فوق أختها؟ هل رأيتم لبنة إلا وهي ممسكة فوقها وعن يمينها وعن يسارها، ويوم تترك كل لبنة آصرتها بالتي بين جوارها يصبح البناء متداعيا بمجرد وضع اليد عليه ينهد وينهدم، لا لقوة اليد، ولكن لضعف الجدار، وما من قوة اليوم تستطيع هزيمة أهل الإيمان إذا توحدوا على إيمانهم وإسلامهم، تلك قضية مهمة، وللأسف أننا نراها جلية واضحة، ومع ذلك نغفل عنها، ولا نلتفت إليها، لقد رآها النبي صلى الله عليه وسلم قضية كبرى خطيرة احمر لها وجهه وهو يقول : ( دعوها فإنها منتنة، لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ) .
عندما سرت إحن وشحناء وبغضاء، أثارها اليهود بين الأوس والخزرج، حتى تنادوا إلى التنازل والاقتتال ..
( أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم )
قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويوم قال امرئ لأخيه:"يا ابن السوداء" قال له صلى الله عليه وسلم: ( إنك امرئ فيك جاهلية ) .
ويوم رأى النبي صلى الله عليه وسلم نزاع الماء الذي كان في بعض مسيره مع أصحابه بين أحد من المهاجرين والأنصار حتى قال المهاجري: يا آل المهاجرين، وقال الأنصاري: يا آل الأنصار، غضب النبي صلى الله عليه وسلم وسار بالناس عامة يومهم وسائر نهارهم حتى إذا توقفوا سقطوا نائمين، فأصبحوا وقد تناسوا كل ما مضى .
كل عامل من عوامل الفرقة، كل كلمة من كلمات الشقاق، كل موقف من مواقف النزاع، ينبغي أن نقف له بالمرصاد، أن نؤلف القلوب، أن نوحد الصفوف، أن نجمع الأمة على الحق والهدى، على الكتاب والسنة، على المنهج الصحيح الذي رسمه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ينبغي أن ننتبه لذلك، وأن ننتبه للقليل اليسير الذي نبه به رسول الله صلى الله عليه وسلم لئلا يعظم ويكبر، ألم نستمع له عليه الصلاة والسلام وهو يقول : ( إن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تباغضوا، ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا ) .
بدأ من ظن سيء يجول في الخاطر، إلى نية سيئة، إلى تتبع وترقب للعثرات، إلى غيبة ينطق بها اللسان، إلى بغضاء تحل في القلب، إلى تدابر يعرض به كل مسلم عن أخيه، إلى ما هو أعظم من احتراب واختصام يقع ..
{ وكونوا عباد الله إخوانا }
أي امنعوا كل ذلك حتى تصبح أخوتكم هي أعظم قوة بعد قوة إيمانكم، وقبل قوة سلاحكم وذلك ما منّ الله به على رسوله صلى الله عليه وسلم { إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم } .
وخاطب به رسوله صلى الله عليه وسلم فقال: { وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألف بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم } .
وميدان آخر من ميادين المعركة وهو جد خطير، ميدان الترويض والتهوين، ترويض الأمة، وتعليمها على القبول بالذل والهوان، لا تكون لها عزة، ولا كرامة، لماذا؟ لأنها تريد الحياة، نحن لا نريد الموت، لا نريد خراب الديار، لا نريد قتل الأطفال، لا نريد تشريد النساء والشيوخ وتشريدهم، نحن نريد أن نعيش أن نأكل عيشا، أن نصبح ونمسي دون أن يمسنا شيء من أذى، ذلك ما تبثه إلينا وسائل الإعلام من مقالات كثيرة، وحوارات عديدة، كفانا قتالا كفانا دماء، كفانا ما كفانا ما كفانا مما جرى، أليس ذلك نقوله نحن اليوم بألسنتنا؟ بدلا أن يقوله أعداءنا، إنه اليوم إبراز لما قد يسمى خسائر المقاومة أو الجهاد، ثم ننتقل منه إلى تجريم تلك المقاومة إنها جريمة أن تنتصر لنفسك، إنها جريمة أن تطلب حقك، إنها جريمة أن ترد على من يعتدي عليك، إنها جريمة أن تقول إنني أرفض الذل والاستسلام، نعم بلغ الأمر هذا المبلغ، وصرنا نعد مثل هذه الأمور التي هي من طبيعة الإنسان كونه إنسانا فضلا عن أن يكون مؤمنا أصبحت اليوم معدودة في شأن وفي عداد الجرائم
حب السلامة يثني هم صاحبه == عن المعالي ويغري المرء بالكسل
من يريد أن يكون سليماً معافاً مرتاحاً مطمئناً، فلا يقل إنه يريد المعالي، ولا يقل إنه ينتسب بخير الخلق صلى الله عليه وسلم فإن محمدا صلى الله عليه وسلم أوذي في نفسه وفي بدنه، وخرج من مكة مهاجرا ودمي وجهه الشريف، ودخل حلقتا المغفر في وجنتيه، وكان يمسح الدم عن وجه ويقول : (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)
حل وارتحل، جاهد وسالم، كانت كما أمره الله سبحانه وتعالى: {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين}
وهو الذي مضرب مثلنا وأساس قدوتنا في حياتنا، هل رأينا ه صلى الله عليه وسلم يعلمنا أن نأكل ونشرب، وننكح وننعم كالأنعام والبهائم دون أن تكون لنا غاية شريفة ولا إيمان عزيز ولا إسلام ندافع عنه، ولعل الأمر يبلغ مبلغا عجيبا وفريدا إذا استعرضنا آيات القرآن الكريم، ليس في أمر القتال المباشر فحسب، بل فيما هو دونه من نصرة هذا الجهاد، من الوقوف معه، من تأييده ولو باللسان، من دعمه ولو بالمال { ها أنتم تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم } .
تأملوا هذه الآية، إن تتولوا عن نصرة الدين وعن بذل المال في نصرته، وعن تقديم الأرواح في الذب عنه { وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم } .
نسأل الله عز وجل أن لا يستبدل غيرنا بنا، ونسأله عز وجل أن لا نكون من أولئك ..
{قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا، وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما }
وأظهر من ذلك في هذا المعنى، قول الله جل وعلا : { يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة، فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل، إلا تنفروا يعذبكم عذبا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير } .
قال السعدي في تفسيره كلاما نفيسا في هذا المعنى العظيم لهذه الآية العظيمة :
"{إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما} قال: في الدنيا والآخرة فإن عدم النفير في حال الاستنفار من كبائر الذنوب الموجب لأشد العذاب، لما فيه من المضار الشديدة، فإن المتخلف قد عصى الله عز وجل ولم يساعد على نصر دين الله ولا ذب عن كتاب الله، ولا شرعه، ولا أعان إخوانه المسلمين على عدوهم الذي يريد أن يستأصلهم، ويمحق دينهم، وربما –واستمعوا لهذا الكلام- وربما اقتدى به غيره من ضعفاء الإيمان فأعطى الدنية في دينه " .
ونقول إذا فعل هذا أهل الشأن أو أهل البلد أو أهل القضية فنحن من باب أولى، وكأن الدين أو الإسلام محصور بقطر أو بزعامة معينة، وكأن الدين في ديننا ليس هناك قساوسة ولا رهبان، يقولون ويحكمون والناس من وراءهم بل القرآن على الجميع حاكم والسنة فوق الجميع هادية ومرشدة، يقول :
"وربما اقتدى به غيره من ضعفاء الإيمان، بل ربما فت في أعضاد من قاموا بجهاد الله فحقيق بمن هذا حاله أن يتوعده الله بالوعيد الشديد، والله سبحانه وتعالى متكفل بنصر دينه وإعلاء كلمته فسواء امتثلتم لأمر الله أو ألقيتموه وراءكم ظهريا فالله سبحانه وتعالى هو الغني والله على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء أراده ولا يغالبه أحد، وذلك أمر ظاهر بين " .
وميدان ثالث في المعركة وهو كذالك خطير، وهو التغييب والتذويب لقضية الإيمان والإسلام في المعركة، كما قلت لكم في الجمعة الماضية أسمع الأخبار، أسمع التحاليل أسمع التقارير لا أسمع فيها آية واحدة ولا حديثا واحدا ولا موقفا من السيرة، عدنا كغيرنا من الأمم نتكلم بلسان لا يعرف الإيمان لا يرجع إلى الإسلام لا يستشهد بالقرآن، لا يستذكر أحاديث وسيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، ولا نذكر إلا المادة السابعة أو الخامسة، كأننا قد نزعنا من ديننا وسلخنا من إسلامنا، وانقطعنا وانبتتنا عن أمتنا وتاريخنا وسيرة نبينا صلى الله عليه وسلم، وهذا أمر خطير مقصود لأن أعظم مقومات القوة والعزة والنصر عند المسلمين هو إيمانهم وعقيدتهم وإسلامهم، به ينصرون، وبه تتنزل عليهم ملائكة الله عز وجل، وبه تثبت أقدامهم وتطمئن قلوبهم وتعظم قوتهم بإذنه سبحانه وتعالى، ولذلك يريدون أن تخلى القلوب من هذا الإيمان، وأن ينزع هذا المعنى من المواجهة والمعركة، فلم نعد مسلمين بل صرنا عربا، ولم نعد عربا بل صرنا فلسطينيين ومصريين وأردنيين وغير ذلك، حتى صرنا ربما أجزاء في أجزاء من أجزاء في تلك البلد أو تلك الدولة، ولم يعد عنصر الإيمان كما ينبغي أن يكون إلا ما نرى من بشائر الخير في أرض الإسراء على وجه الخصوص في صورة هي أعظم الصور وأجلاها في وقتنا الحاضر، وإن كان الخير في أمة محمد صلى الله عليه وسلم قائم، وإن الخير في أمة محمد صلى الله عليه وسلم قد أخبر وقوله الحق : ( لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك ) .
وأنقل لكم هذه الكلمات لتتأملوا في معناها
"أنا لا أخاف ولن أخاف أبدا من الإرهاب، لأن أهم ما تعلمت من إيماننا وعقيدتنا هو الثبات والشجاعة والاستعداد والتضحية في سبيل الدفاع عن أرضنا المقدسة وعاصمتها الأبدية أورشليم" .
هذه الكلمة الأخيرة تبين لنا أن القائل ليس منا معاشر المسلمين المتطرفين، إن هذا من حوار مباشر في الأحداث الماضية على لسان رجل من اليهود في أرض الكيان الصهيوني المغتصب، إنهم رغم عقائدهم المنحرفة الزائغة، ورغم كذبهم في شجاعتهم الفارغة يقول هذا القول، واليوم لو قال أحد إنني أواجه الأعداء بالإيمان لقيل له إنك أحمق مغفل، وإنك لا تعرف الواقع، وإنك تهدر نفسك وتلقي بها إلى التهلكة، وننسى أنه في تلك المواجهة الماضية القريبة صدرت الفتاوى من حاخامات اليهود، الزعماء الدينيين بجواز بل بطلب قتل الأطفال والنساء ، أليس هذا هو عنصر الدين والعقيدة في المعركة، ألستم رأيتم بأم أعينكم جنود الصهاينة وهم عند دباباتهم يمسكون بكتبهم ويهزون رؤوسهم، أين القرآن في معركتنا، هل رأيتموه كثيرا في شاشاتنا وفضائياتنا ومقالاتنا ومؤتمراتنا وغير ذلك، إلا ما رحم الله.
وأخيرا وقفة مع مجال خطير رابع وهو الترفيه والتديث، واسمحوا لي أن أقول هذه الكلمة، أن تبقى الأمة تعيش الغناء والرقص والبرامج الواقعية التي تذيب كل نخوة وعزة وكرامة وغيرة وحمية، ونصبح كأننا قوم لا هم لهم إلا الشهوات، وإلا تعرية الأجساد، وإلا ما نراه كثيرا على تلك الشاشات التي تعرفونها وتعرفون ما فيها، إنها معركة خطيرة معاشر المؤمنين، إن لم ننتبه إلى أن المعركة مستمرة ولم يتوقف منها شيء بل هي مستعرة زائدة، وإنها ليست موجهة في صورة مدفعية أو قنبلة في تلك الأرض من بلادنا العزيزة، أو إلى ذلك الصدر من إخواننا المؤمنين بل هي موجهة لي ولك في عقر بيتي وبيتك في جوارنا الذي نعيش فيه، في مجتمعاتنا التي تشقق صفوفها بالاختلاف في الآراء والنزعات والأهواء وغير ذلك، إنها في ركوننا إلى حياتنا الدنيا { مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة } .
ذلكم هو لب وجوهر معركة أعدائنا الذين يسعون إلى تحطيم كل معاني القوة في أمتنا ..
نسأل الله عز وجل أن يرد كيدهم في نحرهم وأن يعظم إيماننا ويقوي يقيننا، وأن يجعلنا من عباده المؤمنين وجنده المجاهدين وورثة جنة النعيم ..
أقول هذا القول واستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .
الخطبة الثانية
أما بعد أيها الأخوة المؤمنون :
واستحضروا أيها الأخوة المؤمنون ضراوة المعركة، فإن معانيها فيما ذكرت إما أن نغير والعياذ بالله من كلام الله عز وجل ومن كتابه، وإما أن نبدل في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لأن المصطفى صلى الله عليه وسلم يقول: ( الجنة تحت ظلال السيوف ) .
ويقول : ( الجهاد ماض إلى يوم القيامة ) .
ويخبرنا بأننا سنقاتل اليهود في آخر الزمان.
فإذا أعرضنا عن ذلك إعراضا نهائيا كاملا، ليس مجرد هدنة مؤقتة، وإنما إلغاء لكل هذه المبادئ، لا أقول هذا افتراء ولا اجتراء، لكنني أقول لكم وأنتم تعلمون إنه مكتوب مسطور على الصحف، إنه مسموع مرئي عبر الشاشات والإذاعات، ليس قولا استنتاجيا، بل هو قول صريح فصيح صحيح واضح بالنسبة لمن يقولونه بل ويدعون إليه بل ويجرمون من يخالفهم، وأعود بكم في وقفتنا الأخيرة، إلى أرض الإسراء، إلى الجرح النازف إلى القلب المريض العليل، الذي يقاوم وحده بحول الله عز وجل، إنني قد قلت لكم فيما مضى إن الإيمان هو القادر على الصمود والانتصار في مواجهة العدوان، وأنقل لكم مرة أخرى صورة ليست من عصر الصحابة بل من أيامنا القريبة الماضية من عهدنا الحاضر لأبطال من أهل الإيمان والثبات واليقين، لنؤكد ونجدد اليقين لما جاء في كتاب ربنا وما نعرفه من سنة نبينا صلى الله عليه وسلم ومسيرة تاريخنا بطل من الأبطال، قائد من قواد المقاومة والجهاد في فلسطين، منذ نعومة أظفاره وفي مقتبل شبابه نرى صورة مهم لنا أن ننظر إليها، صورة السمت الإيماني الالتزام الإسلامي، الورع والتقوى والصلة بالله عز وجل، هذا وصف كتب عنه ترى فيه حياء المؤمن في أدب رفيع، وثقة المتوكل على الله الزاهد في الدنيا المقبل على الآخرة، المشتاق للشهادة الذي نشأ في طاعة الله منذ طفولته الحريص الحرص الدائم على الاقتداء في كل حركة وسكنة من حركاته وسكناته بالحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، الذي كان حافظ للقرآن وخطيبا للجمعة، الذي كان يقول إني أريد أن ألقى ربي وليس في عنقي مظلمة لأحد، ذلكم سمت إيمان يدلنا على الذين ينتصرون في معاركهم ويثبتون في وجوه أعداءهم، ثم هذا الرجل يمثل صورة من الصبر الذي قلنا إنه شطر الإيمان، سجن عامين اثنين، حقق معه بعد ذلك، أطلق سراحه، أعيد اعتقاله والتهم هي مقاومة الاحتلال، وظل التحقيق معه نحوا من عام كامل أي مدة التحقيق الفعلية كانت عاما كاملا، وسجن عشر سنوات أخرى وزيد بعد انتهاء المدة ستة وعشرين شهرا، ليبلغ إجمالي ما سجن ثلاثة أو أربعة عشر عاما، ثم هو قائد الجهاد والمقاومة كلها، الذي أقض مضاجع اليهود والذي أصبحوا عندما أرادوا قتله بعد تتبع طويل عرض الأمر على وزير دفاع الكيان الصهيوني، ثم عرض على رئيس وزراءه الإجرامي ثم اتفقت الدولة كلها، وكيف قتل هذا الفرد الضعيف بطائرة إف 16 تقذف بصاروخ حتى لا يكون أدنى شك في قتله، فيستشهد ومعه زوجته وابنته وستة عشر من من كانوا في إطار تلك المنطقة، وهذا الرجل كانت عنده ثقة بالله عز وجل، ومن مقالاته التي نقلت عنه:
"كما رد الله البصر لسيدنا يعقوب عليه السلام فسيعود الكنز المفقود الأقصى، وستعود القدس وستنعم أجيالنا القادمة بإذن الله طالما كانت شعاره والشعار {لا تيئسوا من روح الله إنه لا ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون}"
رجل كانت كل أجنحة وأجهزة الأمن في هذا الكيان الذي يصورونه على أنه قوة لا تهزم وجيوشه يفرون كان هو وراء عملية بطولية ليست اليوم بل ربما من أكثر من عشر سنوات أو نحوها، حتى نعرف أن الأمر ليس هو الجديد الذي يستغفلنا به الإعلام، عندما اختطف هذا البطل بتوجيهاته ورجاله جنديين من جنود الصهاينة وهم بكامل عدتهم وعتادهم، ثم أردوهم قتلى بعد ذلك الخطف، في قوة وبسالة وجرأة وشجاعة، ثم انظروا إلى صبره خلال ذلك السجن الذي وصف هو فيه بعد فترات الاعتقال في زنزانة كان يقول في وصفها:
"إنها أقصر مني، وطولها لا يكفيني لأنام، وظلمتها لا أرى فيها يدي، ورائحتها كريهة، وهي في الشتاء برد قارس، وفي الصيف رطوبة قاتلة، ولا أعرف فيها الليل من النهار، ومع ذلك لم أكن أشعر فيها بألم"
لا تظن ذلك ضربا من الخيال، ولا مبالغة في القول، ولكنها حقائق الإيمان الذي أكدتها آيات القرآن وأكدتها لنا سنة النبي صلى الله عليه وسلم، يوم جاءه خباب بن الأرت وقد كان عذب حتى بقي آثار تعذيبه وآثار الصوت الذي يجلد به إلى يوم وفاته، فماذا قال له النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال له: ( ليبلغن هذا الدين حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم قوم تستعجلون )
الأمر يحتاج إلى صبر ومصابرة : { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب } ..
أما علمنا ماذا جرى للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه : { إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسف منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا }
كيف كان موقف هذا البطل، يقول جنرال يهودي ممن حققوا معه:
"لم نستطع أن نظفر منه بكلمة واحدة، رغم كل التعذيب وكنا نجعله يسهر الليالي والأيام دون نوم، ومع ذلك كان صامدا يأبى الخنوع"
ولو ذكرت لكم ما ذكره الأعداء قبل الأصدقاء في وصفه لرأيتم عجاب، وهذا كما قلت ليس من جيل الصحابة ولا التابعين، إنه من جيل إخواننا المؤمنين من أبطال فلسطين، من القلب الذي يشكو العلة ونحن اليوم قد قلنا للناس أجمعين، قد وضعت الحرب أوزارها فعودوا ولتعد معكم قنواتكم إلى الغناء والرقص الذي لم يتوقف أصلا، وهذا من سبب البلاء وعلة غياب النصر ..
نسأل الله عز وجل أن يعيذنا من شرور أنفسنا، وأن لا يؤاخذنا بما فعل السفهاء منا ..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : خطب ومحاضرات | السمات:خطب ومحاضرات
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























