للشيخ سعد البريك
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا ند ولا شبيه ولا مثيل ولا نظير ليس كمثله شيء وهو السميع البصير وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا ند ولا شبيه ولا مثيل ولا نظير ليس كمثله شيء وهو السميع البصير وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده وعبد ربه مخلصاً حتى أتاه اليقين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين أما بعد فيا عباد الله اتقوا الله تعالى حق التقوى يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوماً لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور.
معاشر المؤمنين :
لقد أخذ الترف والتعلق بزينة الحياة الدنيا وشهوتها بألـبـــاب أفراد من الأمة واستحوذا على عقولهم إلى درجة أنهم أصبحوا ينظرون إلى تعاليم الإسلام وأحكامه على أنها تفسد عليهم مـتـعـتـهـم وبهجتهم بها فاتخذوا كتاب ربهم وسنة نبيهم وراءهم ظهرياً وتولوا وأعرضوا حتى وصل الأمر ببعضهم إلى ترك الطاعة بل ومبارزة الله تعالى بالمعاصي.
حقيقة الترف :
جاء في القاموس : التُّرْفَةُ: النعمة والطعام الطـيــب، والشيء الظريف تخص به صاحبك ، والمترف كمُكرمَ: هو المتروك يصنع ما يشاء لا يُمنَع، والمُتَنَعَّمُ لا يمنع من تنعمه (القاموس المحيط 1026).والترف هو مجاوزة حد الاعتدال بنعمة أو الإكثار من النعم التي يحصل بها الترف ( الترف للأستاذ / ناصر بن عمار، ص 7 ).والمترف هو من أبطـــرته النعمة وسعة العيش وألهته عن طاعة الله ، فتراه حريصاً على زيادة أحواله وعوائده ساعٍ إلى بلوغ الغاية في حاجات الذات الحسية من مأكل ومشرب ومسكن ومركب .
موقف الإسلام من الترف :
وقد ورد ذكر الترف في ثمانية مواضع من كتاب الله كلها في مقام الذم له والتحذير منه لأن الترف والتكذيب بآيات الله غالباً ما يقترنان ،كما في قوله تعالى { وكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إنَّا وجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وإنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّــقْــتَدُونَ }وكما في قوله عن سبب عذاب وشقاء أصحاب الشِّمال { إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ* وََكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ * وَكَانُوا يَقُولُونَ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ } .
وورد عدد من الأحاديث النبوية تنهى عن الترف وتحذر من تعلُّق القلب به ، ومن غلو الإنسان في الانغماس في متع الحياة وملذاتهــا، وتحث على تركه والانصراف عنه إلى مـا هو خير في الدارين.عن عمرو بن عوف رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :” فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم “. رواه مسلم ( 4/2274 ). وعن عبد الله بن عمرورضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال “: كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا ما لم يخالطه إسراف أو مخيلة “. رواه ابن ماجة وحسنه الألباني في صحيح الجامع (2/830) .
إنَّ دعوة الإسلام إلى ذم الترف والتحذير منه لا تعني تحريم ما أحل الله من النعم والطيبات ، وإنما المراد الاقتصاد في الإنفاق وعدم تعلق القلب بها والركون إليها. عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : “إن الله جميل يحب الجمال، ويحب أن يرى أثر نعمته على عبده ويبغض البؤس والتباؤس “. رواه البيهقي في الشعب وصححه الألباني في صحيح الجامع (1/359) .وقال صلى الله عليه وسلم لوالد أبي الأحوص: “فإذا آتاك الله مالاً فليُرَ أثر نعمة الله عليك وكرامته ” رواه أبو داود وصححه الألباني رحمه الله في صحيح الجامع (1/284 ).وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم :” اللهم أصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي “.رواه مسلم (4/2087) .
حال المترفين :
ولكن مِنَ المترفين مَنْ لم يراعِ هذا المفهوم السامي الذي أرشدت إليه الأحاديث النبوية لاستعمال نعم الله تعالى على خير وجه يحقق سعادة الدنيا والآخرة ، فتجده غير مبالٍ بصحة جسده مفرِطاً في تناول الطعام والشراب وتوفير متطلبات النفس مما لذ وطاب ، فوقع فريسة السمنة وأمراض التخمة لإعراضه عن التوجيه النبوي الذي يستأصل مشاكل السمنة ويعالجها قبل ظهورها.عن مِقدام بن معدي رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :” ما ملأ ابن آدم وعاءً شراً من بطن بحسْب ابن آدم أُكُلات يُقِمْنَ صلبه فإن كان لا محالة: فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لِنَفَسِه “. رواه أحمد والنسائي وغيرهما وصححه الألباني في الإرواء ( 1938 ) .
* وتراه يتباهى بلبس الملابس الراقية والأقمشة الفاخرة متعالياً على غيره والنبي صلى الله عليه وسلم يقول :” من ترك اللباس تواضعاً لله وهو يقدر عليه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره من أي حلل الإيمان شاء يلبسها ” . رواه الترمذي وأحمد وسنده حسن . والبعض يسبل الإزار تحت الكعبين تكبراً وبطراً ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :” إزرة المسلم إلى نصف الساق ولا حرج ــ أو لا جناح ــ فيما بينه وبين الكعبين ، فما كان أسفل من الكعبين فهو في النار ، ومن جرَّ إزاره بطراً لم ينظر الله إليه ” . رواه أبو داود وإسناده صحيح . والبعض الآخر ينوِّع من استعمال الملابس حسب أوقات اليوم فللصباح ملابس وللمساء أخرى ، حتى كثرت بسبب ذلك الملابس غير المستخدمة وتكدست ، وأكثر ما يكون هذا الترف لدى النساء .
* ومن سماتهم : التبذير والإسراف وإنفاق الأموال الطائلة في بناء المنازل والدور، والتباهي في إعدادها وتصاميمها البديعة في الشـكــل الخارجي والداخلي، مع الحرص على تعدد مواقعها فبعضها للشتاء والآخر للصيف، وبعضها للسكن وبعضها للنزهة ، ومع الحرص على سعتها وكثرة غرفها ووجود ملحقات لها ووفرة وسائل الترفيه فيها، وحسب ابن آدم من كل هذا الشيء القليل. عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال : مرَّ بي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أطيِّن حائطاً لي أنا وأمي فقال : ” ما هذا يا عبد الله ؟ ” فقلت : يا رسول الله شيء أصلحه ، فقال :” الأمر أسرع من ذلك “. رواه أبو داود وصححه الوادعي رحمه الله في الصحيح المسند ( 1 / 535 ).
* ومنهم من يبالغ في العناية بنعومة جسده وطراوته وترهُّل الأطراف ويسـتـكـثر مــن الكماليات ووسائل العناية بالنفس ، والإفراط في التدهن والتطيُّب وترجيل الشعر.عن عبد الله ابن مغفل رضي الله عنه قال :” نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الترجل إلا غباً “. رواه أبو داود وحسنه العلامة الألباني رحمه الله في السلسلة الصحيحة .قال السندي معنى غِبَّاً : أي أن يسرح شعره يوماً ويترك يوماً ، والمراد كراهة المداومة على ذلك .وعن عبد الله بن بريدة : أنَّ رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رحل إلى فضالة بن عبيد رضي الله عنه وهو بمصر فقدم عليه وهو يمد ناقة له ـ أي يسقيها مديداً من الماءـ، فقال : إني لم آتك زائراً ، وإنما أتيتك لحديث بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجوت أن يكون عندك منه علم ، فرآه شعثاً ، فقال له ما لي أراك شعثاً وأنت أمير البلد ؟ فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينهانا عن كثير من الإرفاه ، ورآه حافياً فقال : مالي أراك حافياً ؟ فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا أن نحتفي أحياناً . أخرجه أحمد وأبو داوود وصححه الألباني في الصحيحة (2 / 4 ) .قال في النهاية : الإرفاه هو كثرة التدهن والتنعم ، وقيل التوسع في المشرب والمطعم ، أراد صلى الله عليه وسلم ترك التنعم والدعة ولين العيش لأنه من زي العجم وأرباب الدنيا .
* ومِنَ المترفين مَنْ يسرف في اقتناء الفرش الوثيرة والأواني الفاخرة والمتاع الراقي ، أو يكثر من ذلك كثرة تقصر معها أيام العمر وتأبى أن تتسع للعبد لكي ينتفع بها ويستخدمها. لقد كان من هدي النبوة التقلل من ذلك قدر الإمكان فقد روى البخاري والنسائي عن عمرو بن الحارث رضي الله عنه أنه قال :”ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا سلاحه وبغلته وأرضاً جعلها لابن السبيل صدقة “.وقالت عائشة رضي الله عنها :” كان فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم من أُدْم ــ أي من جلد ــ حشوه من ليف ” . رواه البخاري .
* ومنهم مَنْ لا يقوم بحاجاتـه الذاتية والاجتماعية التي يمكنه القيام بها، ويلجأ بدلاً من ذلك إلى استقدام الخدم رجالاً ونـســــاء من غير حاجة إليهم ، وإنما رغبة في ترفيه النفس وحب التفاخر والتباهي والظهور بمظهر المتميز أمام الآخرين.
* وغالبهم يكثر من استخدام وسائل الترويح عن النفس من مزاح وألعاب ونزهة وزيارات كثيرة تخرج بالترويح عن الحكمة التي شرع لأجلها، حتى تصبح في حياة كثير من الناس هي الأصل والطاعة والعبادة هو الفرع فلا يحرص على طاعة ولا يجتهد في قربة ، ويتوانى عن القيام بما يقِّربه إلى الآخرة من صلاة النفل وصيام التطوع وكثرة الذكر ويضيع ساعات العمر وأيامه في أمور إن لم تكن من السيئات فلن تكون من الحسنات بحال .قال رسول الله صلى الله عليه وسلم محذراً من ذلك: ” ما من ساعة تمر بابن آدم لم يذكر الله فيها إلا حسر عليها يوم القيامة “.رواه أبو نعيم في الحلية وحسنه الألباني رحمه الله في صحيح الجامع ( 2/997 ) ومما استحسن من كلام الحجاج قوله على المنبر: (إن امرءاً ذهب من عمره ساعة في غير ما خُلِق له ، لخليقٌ أن تتطاول عليه حسراته) أورده الماوردي في نصيحة الملوك ( 17 ) .
* كما أنَّ قلة العبادة والتكاسل عن الطاعة هي السمة الغالبة على معظمهم إلا من رحم الله منهم وقليل ما هم ، وذلك لأن قلب ابن آدم إذا ملىء بشيء حتى فاض استحال ملؤه بغيره ، وكل إناء بالذي فيه ينضح ، فالمترف قد ملأ قلبه أو كاد بحب الدنيا وتحصيل متعها وشهواتها، فإذا لم تجد الطاعة مكاناً لما في قلبه فإنها تـرحل عنه ، قال أبو حازم رحمه الله: (يسير الدنيا يشغل عن كثير الآخرة) ( ذم الدنيا لابن أبي الدنيا 135 .) فإذا كان هذا حال اليسير من الدنيا فكيف بحال الكثير منها ؟!.
* ولم يقف حالهم عند ذلك بل إن الكثير منهم خرج عن الجادة وولغ في المعصية وانغمس في الرذيلة ، لإكثاره من الملذات والشهوات المباحة أولاً، ثم توسع فيها حتى خرج عن دائرة المباح إلى دائرة المشتبه فيه، ومع الزمن وقـع في المحرمات قليلاً قليلاً حتى وصل إلى مرحلة الفسق والمجاهرة بالمعصية ، نسأل الله السلامة والعافية .
* ومنهم من وقع في عبودية الهوى والشهوات وردَّ الحق وكذَّب به، وقد أبان الله تـعـالـى في كتابه أن الترف سبب ذلك فقال { واتَّبَعَ الَذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وكَانُوا مُجْرِمِينَ} ، وقال عز وجل {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِــــن نَّذِيرٍ إلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ } .
* ومن حال المترفين : قسوة القلب وغلظة الحس وثقل البدن مما يؤدي إلى نـسـيـان الـعـلـــم وزوال الفطنة والحرمان من متعة التطلع إلى ما وراء اللذة الآنية بالإضافة إلى حرمان النفس من لذة الاهتمامات الكبرى اللائقة بالدور العظيم للمسلم في حياته مع انـشـغــال القلب عن التبصر بما يدور حوله واستلهام العبرة والعظة من ذلك ، كل هذا نتيجة غرقه في لجة اللذائذ والـشـهــوات ، قال الشوكاني رحمه الله عند قوله تعالى {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} قال : (وخصص المترفين تنبيهاً على أن التنعم هو سبب إهمال النظر)فتح القدير 4/773 * ومن سيما هؤلاء: العجز والكسل والتواني عن أداء الأعمال النافعة بحيث ينجز الواحد منهم عمل اليوم في أسبوع، وعمل الأسبوع في شهر، ولقبح هاتين الخصلتين ، كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ منهما بقوله : (اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل ) رواه مسلم (4/2079).
أسباب الترف :
ولوقوعهم هؤلاء في الترف أسباب منها : 1- نسيان الموت والغفلة عن الدار الآخرة وقلــة خـشـيـــة الله تعالى ، وعدم محاسبة النفس وطول الأمل ، قال تعالى محذراً من ذلك {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ}، وقال صلى الله عليه وسلم موصياً ابن عمر: “كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل “. رواه البخاري ( الفتح 11/237 ). قال ابن عبد البر في جامع العلوم والحكم : (وذلك لأن الغريب لا تعلق له ببلد الغربة، ولا تشاغل لديه بملذاتها وملهياتها، بل قلبه معلق بوطنه الذي يرجع إليه ، والمسافر لا هَمَّ له في الاستكثار من متاع الدنيا أثناء قطعه لمنازل السفر، وإنمـا يـكـتـفـي بتحصيل زاد السفر له ولراحلته لا غير) (جامع العلوم والحكم 2/ 378 ــ 381 ).
2- ومن الأسباب : تـغليب متطلبات الجسد من مأكل ومشرب وملبس ومركب ومسكن ووسائل ترويح وتلبيتها والتكاسل عن العمل للباقية والتزود للآخرة ، وقد كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم الموازنة بين عمل الدنيا وعمل الآخرة وعدم الانشغال بالأمور الدنيوية على العبادة وعدم الانقطاع لعمل الآخرة وإهمال ما فيه مصلحة للعبد في دنياه.روى البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن عمرو رضي الله عنه حين علم بمغالاته في العبادة : ” ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل، فقلت:بلى يا رســــول الله قال: فلا تفعل صم وأفطر وقم ونم فإن لجسدك عليك حقاً وإن لعينك عليك حقاً وإن لزوجك عليك حقاً وإن لزورك عليك حقاً”. وروى البخاري أيضاً أن نفراً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سألوا عن عبادته فلما أُخبِروا فكأنهم تقالُّوها وقالوا: أين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبداً وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :” أنتم الذين قلتم كذا وكذا أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني”( الفتح 5063 ) .
3 - آخرون وقعوا في الترف بزعم أنه لا بد أن يكون الإنسان ابن بيئته وأن يظهر بالمظهر اللائق به مطعماً ومشرباً ومركباً ومسكناً وخدماً فيقع قي تقليد المترفين ممن لا خلاق لهم مباهاةً وتفاخراً وحباً في مساواتهم في أحوالهم ومعاشهم ، قال النبي صلى الله عليه وسلم :” انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم ” متفق عليه واللفظ لمسلم . وقد ندب الله المؤمنين إلى التنافس في أمور الآخرة والمسارعة إلى مغفرته ورضوانه وجنته فقال {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ } وقال سبحانه {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ } . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :” بادروا بالأعمال سبعاً ، هل تنتظرون إلا فقراً مُنْسِياً أو غنى مُطْغِياً أو مرضاً مُفسداً أو هرماً مُفنِداً أو موتاً مجْهِزاً أو الدجال فشرُّ غائب ينتظر أو الساعة والساعة أدهى وأمر “. رواه الترمذي وهو حديث حسن .
4 – ومن الأسباب : ضعف التربية الإيمانية والتوجيه الجاد من قبل بعض الأهل والمربين في التحذير من فتنة الحياة الدنيا وزخرفها ، والتقاعس عن تربية النشء على الطاعة والجَلَدَ والخشونة يقول تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}.وقال عمر رضي الله عنه :” اخشوشنوا فإن النعم لا تدوم ” ذكره ابن القيم في كتاب الفروسية .
5- ومن أسباب الترف : تعلق النفس بالشهوات ، فقد حبب الله تعالى للبشر زينة الحياة الدنيا وزخرفها، فقال{زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ }، ولا بأس بالحب الفطري والضروري لاستمرار الحياة البشرية ، ولكن المترفون يقدمون حب تلك الأشياء على محبوبات الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ويتشاغلون بها ويركنون إليها حتى يصبحوا أرقاء لها ، وقد حذر تعالى في كتابه عباده من تقديم حبهم لشهواتهم وملذاتهم على حبه سبحانه وحب رسوله صلى الله عليه وسلم والعمل لدينه، فقال عز وجل {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}.
7- كما أن للدعوات المضللة والإغراءات المتكررة التي مارسها اليهود والنصارى لإيقاع المسلمين في الشهوات أثر كبير في انجراف الكثير منهم في تيار الترف ، فقد سعى هؤلاء إلى إلهاء الأمة بالشهوات وانغماسها بالملذات واللهو والعبث حتى لا تفيق ولا تنتبه لما يخططون لها لطمس عقيدتها وإذلال كرامتها{وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً } فأغرقوا أسواق المسلمين بوسائل الترف وفنون الملذات ، وزينوا ذلك في نفوسهم وبثوا الدعايات المختلفة وأقنعوا الكثيرين بأنها دليل من أدلة الحضارة وعنوان من عناوين التقدم والتميز والرقي في المجتمع .ولقد أفصح اليهود قبحهم الله عن نواياهم الخبيثة من هذا الفعل: جاء في البروتوكول السادس من بروتوكولات بني صهيون: (سنشجع حب الترف المطلق) وجاء في البروتوكول الثالث عشر: ( سنلهيها – أي الجماهير المسلمة – أيضاً بأنواع شتى من الملاهي والألعاب ومزجيات للفراغ والمجامع العامة وهلم جرا) ( الخطر اليهودي للتونسي 126 ــ 151 بتصرف كبير ). وصدق الله القائل {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا }.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم …
إن في هدي السلف وكيفية تعاملهم مع متع الحياة وملذاتها، للأخذ منهم والسـيــر على منوالهم ، علاجاً ناجعاً وبلسماً شافياً لهذه الآفة فمن هديهم :
أولاً : تربية النفس على عدم تحقيق كل ما تشتهيه رغم القدرة على تحقيق مطلوبها؛ قال رجل لابن عمر رضي الله عنهم : ألا أجيئك بجوارش ، قال: وأي شيء هو؟ قال: شيء يهضم الطعام إذا أكلته، قال: ما شبعت منذ أربعة أشهر، وليس ذاك أني لا أقدر عليه، ولـكـن أدركـت أقـــواماً يجوعون أكثر مما يشبعون . رواه الإمام أحمد في الزهد . (189) ، وفي رواية : ولكن عهدت أقواماً يجوعون مرة ويشبعون مرة . وسئل الحسن عن الرجل يبتاع الطعام ويبتاع اللحم، هل عليه في ذلك؟ فقال: إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: كفى سرفاً ألا تشتهي شيئاً إلا أكلته. أورده ابن أبي الدنيا في كتاب إصلاح المال ( 106 ) .
ثانياً : النظر إلى ملذات الحياة الدنيا وشهواتها على أساس أنها وسـيـلــة زائلة تقرب إلى الدار الآخرة لا على أنها غاية في ذاتها وهدف يطمح إلى تحقيقه والتشبث به ، قال عثمان ابن عفان رضي الله عنه في آخر خطبة له: إن الله إنما أعطاكم الدنيا لتطلـبــوا بها الآخرة، ولم يعطكموها لتركنوا إليها، إن الدنيا تفنى والآخرة تبقى، لا تبطركم الفانية، ولا تشغلكم عن الباقية، آثِروا ما يبقى على ما يفنى فإن الدنيا منقطعة وإن المصير إلى الله عز وجل .ذكره ابن أبي الدنيا في ذم المال ( 77 ) .
ثالثاً : التوسط في الإنفاق على النفس والأهل؛ قال عبدالملك بن مروان لعمر ابن عبد العزيز: كيف وما يغنيك؟، قال: الحسنة بين السيئتين، قال الله تعالى {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً}. وقال الحسن : إن مـن عـلامة المؤمن:أن لا يقصر به بيته، ولا يبخل ولا يبذر، ولا يسرف ولا يقتر . وعن سفيان، قــال: كـانــوا يـكـرهــون الشهرتين : الثياب الجياد التي يشتهر فيها ويرفع الناس فيها أبصارهم، والثياب الرديئة التي يُحتقر فيها ويُستَذَل دينه . ذكره ابن أبي الدنيا في إصلاح المال ( 100).
رابعاً : الإنفاق في وجوه البر والـخـيــر ، عن علي رضي الله عنه قال: ما أنفقت على نفسك وأهلك من غير سرف ولا تقتير فلك، وما تصدقت فلك، وما أنفقت رياء وسمعة فذلك حظ الشيطان ذكره الماوردي في كنز العمال ( 6 / 509)، وأورد الذهبي في السير عن الزهري قال: تصدق ابن عوف رضي الله عنه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بشطر مـالـــه، ثـم تصــدق بأربعين ألف دينار، وحمل على خمسمائة فرس في سبيل الله، ثم حمل على خمسمائة راحلة في سبيل الله، وكان عامة ماله من التجارة (سير أعلام النبلاء2 / 81 )، وعن الحسن، قال: باع طلحة رضي الله عنه أرضاً له بسبعمائة ألف، فبات ذلك المال عنده ليلة، فبات أرقاً من مخافة المال حتى أصبح ففرقه . ذكره أبو نعيم في حلية الأولياء ( 1 / 89 )، وعن مغيث بن سمي، قال: كان للزبير ألف مملوك يؤدون إليه الخراج فكـــان يقسمه كل ليلة ثم يقوم إلى منزله وليس معه منه شيء .أورده أبو نعيم في الحلية .
خامساً : الـسـعي في طلب الرزق سعياً لا يؤدي إلى التفريط في الطاعات قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد - وهــي من عوالي المدينة - وكنا نتناوب النزول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ينزل يوماً وأنزل يوماً، فإذا نزلت جئت بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مـثـــل ذلك. رواه البخاري ( (الفتح 1 / 223 )، وعن ثابت البناني، قال: ذكر أنس سبعين رجلاً من الأنصار كانوا إذا جَنَّهم الليل أودوا إلى معلم لهم بالمدينة يبيتون يدرسون القرآن، فإذا أصبحوا فمن كانت عنده قوة أصاب من الحطب واستعذب من الماء، ومن كانت عنده سعة أصاب الشاة فأصلحها فـكـانـت تـصـبـح معلقة بحُجَر رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكره أبو نعيم في حلية الأولياء ( 1 / 123 )، وقال علامة الشام القاسمي رحمه الله : وكان السلف يبتدرون عند الأذان ويُخلُون الأسواق لأهل الذمة والصبيان .(موعظة المؤمنين 1 / 125 ).
سادساً : الإكثار من محاسبة النفس عند سـعــة الـرزق وانبسـاطــه، وخشيتهم من أن يكون ذلك استدراجاً ، قال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه : قُتل حمزة فلم نجــد ما نكفنه فيه ـ وهو خير مني ـ، وقتل مصعب بن عمير ـ وهو خير مني ـ فلم نجد ما نكـفـنــه، وقـد أصبنا منها ما قد أصبنا.. ثم قال: إني لأخشى أن يكون قد عجلت لنا طيباتنا في الدنيا(حلية الأولياء 1 / 100 ).وعــاد خـبـاباً رضي الله عنه نفرٌ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: أبشر يا أبا عبد الله إخوانك تقدم عـلـيـهـم غـداً، قال: فبكى وقال: أما إنه ليس بي جزع ولكنكم ذكرتموني أقواماً وسميتم لي إخواناً، وإن أولئك قد مضوا بأجورهم كلهم، وإني أخاف أن يكون ثواب ما تذكرون من تلك الأعمال ما أوتينا بعدهم . (الحلية 1 / 145).
وينبغي على كل مسلم أن يعلم : أن الترف والتنعم والرفاهية مما لا يليق بأهل الآخرة، بل اللائق بهم العمل بدين الله والدعوة إليه والذود عنه؛ فما عند الله خير وأبقى، { بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى }،ومن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه ؛ قال الله تعالى في الحديث القدسي: ” أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر” . رواه البخاري ( الفتح 6 / 366 )، وقال ابن القيم رحمه الله: قال لي شيخ الإسلام في شيء من المباح : هذا ينافـي الـمراتب العالية، وإن لم يكن تركه شرطاً في النجاة ، ثم قال ابن القيم : فالعارف يترك كثيراً من المباح إبقاءً على صيانته ولاسيما إذا كان ذلك المباح برزخاً بين الحلال والحرام (مدارج السالكين 2 / 28)، وقال رحمـه الله فـي الفوائد: من أراد صفاء قلبه فليؤثر الله على شهوته (الفوائد 146).
* وعلى المترف أن ينظر في حوادث الزمان ونوائب الليالي والأيام ، وليعلم أنه إن كان غنياً اليوم فقد يكون فقيراً غداً، فإن لم يردع نفسه في غناه واغتر بحاله فقد تزول دنياه فـجـأة ويتحـول غناه فقراً وعزه ذلاً، وعندها تضيق به الأرض بما رحبت وتسوء عاقبته ، فالعاقل يُعِدُّ نفسه لتقلب الأحوال وتبدل الأزمان ، ولله در القائل:
إذا تم أمر بدا نقصـه توقع زوالاً إذا قيل تم
* كما أنه عليه أن ينظر في مدى خسارته وغبنه لاشتغاله بالترف ومظاهره : من ذهاب أمواله سدى، وإفناء الوقت في غير ما ينفع عند الله مع أنه يدنو بصاحبه من الآخرة ، وضعف محبته لربه لأن اشتغاله بمـلـذات الـدنـيــا وشهواتها يؤدي به إلى حبها حباً يصده عن الطاعة، قال ابن القيم رحمه الله : لا تدخل محبة الله في قلب فيه حب الدنيا إلا كما يدخل الجمل في سم الإبرة (الفوائد 127).
* وليدرك أن توفر وسائل الترف ومغريات الحياة بين يديه ليس من أسباب تحصيل السـعـادة ، فكم من مترف منعم معرض عن دينه واتباع نبيه صلى الله عليه وسلم بلغ الغاية في الاستمتاع بزهرة الحياة ومتعها ، ولكنه كثير الخوف والهموم، شارد البال ، حياته ضنك وأيامه بؤس وشقاء وقد يصل الأمر به إلى الانـتـحـار ، ولهذا يقول تعالى { وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} .وكم من فقير دنياه مقترة عليه ، يعيش في سعادة وانشراح صدر وحياة طيبة بسبب صلاحه وتقواه واستقامته قال تعالى{ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } قال الحسن رحمه الله : أهينوا الدنيا، فوالله ما هي لأحد بأهنأ منها لمن أهانها . رواه ابن أبي الدنيا في ذم الدنيا ( 138 ــ 139 ).
ولست أرى السعادة جمع مال ولكن الـتـقـي هو الـسـعـيد
* لا بد للعبد من إشغال نفسه بما ينفعه في آخرته ، وترتيب الأولويات بحيث يقدم الأنفع على النافع والنافع على ما ليس فيه نفع ، ومن يوفق لفعل ذلك فإنه سيتعالى بإذن الله عن التعلق بالدنيا وزينتها ؛ قال سليمان الداراني: لا يصبر عن شهوات الـدنـيــا إلا مــن كــان فـي قـلـبـه مــا يشغله بالآخرة ، وقال مالك بن دينار: بقدر ما تخزن للآخرة يخرج هم الدنيا من قلبك . ذكرهما ابن أبي الدنيا ( ذم الدنيا 66).
* إن في التأمل في تبعات الترف في الآخرة، واستشعار الوقوف بين يدي الله تعالى ، والأسئلة التي ستوجه إلى العبد في ذلك الموقف عن النعيم الذي يتقلب بين جنباته في هذه الدنيا من أكبر الدوافع على ترك الترفه والتنعم ، ولهذا: ذكّر النبي صلى الله عليه وسلم أمته بذلك فقال:” لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن عمره فيما أفناه وعن علمه ما فعل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه ” . رواه الترمذي وصححه الألباني في صحيح الجامع (2 / 221)، ولقد كان هذا التأمل من أكبر الأسـبـاب الـتـي دفـعـت بعـض السلف إلى التقلل من الدنيا وملذاتها ؛ قال طاووس رحمه الله : حلو الدنيا مـر الآخـرة، ومر الدنـيـــا حلو الآخـرة (حلية الأولياء 4 / 12) وكان الأسود يقول: من كانت الدنيا أكبر همه، طال غداً في القيامة غمه ( ذم الدنيا 132).
* وعلى العاقل إدامة النظر في حال أهـــل الـتـرف قديماً وحديثاً، والتأمل في أوضاعهم وما يعانيه غالبهم من غفلة، وقلة طاعة، وقسوة قلب، وكثرة هم، وتشتت فكر، بالإضافة إلى الفجيعة من تقلب الأحوال والخوف من انصرام ما هم عليه من نعيم وملذات ، وهذا كفيل بردعه عن التعلق بالملذات، ورحم الله سفيان الثوري حين قال: إذا أردت أن تعرف قدر الدنيا فانظر عند من هي . (ذم الدنيا145).
كما أن القليل من نعيم الدنيا يكفي لعبورها والوصول إلى الآخرة، قال صلى الله عليه وسلم حين دخل عليه عمر ـ وهو على حصير قد أثر في جنبه ـ فقال له : يا نبي الله لو اتخذت فراشاً أوثر من هذا!، فقال: مالي وللدنيا، ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار ثم راح وتركها ، رواه أحمد وصححه الألباني ( المسند 1 / 301 ) وكان خالد بن صفوان يقول : بتُّ أفكر فكسبت البحر الأخضر بالذهب الأحمر، ثم نظرت فإذا الذي يكفيني من ذلك رغيفان وطمران. أورده ابن أبي الدنيا في ذم الدنيا . ( 148). وإن نظر المترف في أحـــــوال إخوانه الـمسلمين والتأمل في ما يعانون من فقر وجهل ومرض وما يتعرضون له من حروب ، يجعله يدرك أن الأنفع له تقديم ما يفيض عن حاجته إلى إخوانه قال النبي صلى الله عليه وسلم :” لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه ” .
اللهم آمنا في أوطاننا اللهم آمنا في دورنا اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا اللهم اجمع شملنا وعلماءنا وحكامنا ودعاتنا ولا تفرح علينا عدواً ولا تشمت بنا حاسداً اللهم اهد ضالنا اللهم من ضل وتنكب الصراط اللهم رده إلى الحق رداً جميلاً . اللهم عليك بمن تسلط وآذى ونال من مقام نبينا صلى الله عليه وسلم اللهم سلط عليهم جنودك التي لا يعلمها إلا أنت يا رب العالمين اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان اللهم اجعل هذا البلد آمنا مطمئناً سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين اللهم ابسط لنا في عافية أبداننا وصلاح أعمالنا وسعة أرزاقنا وحسن أخلاقنا واستر على ذرياتنا واحفظنا بحفظك واكلأنا برعايتك اللهم أحسن خاتمتنا في خير عمل يرضيك عنا ربنا لا تقبض أرواحنا على خزي ولا غفلة ولا فاحشة ولا معصية ولا تمتنا بحق مسلم في عرض أو دم أو مال نسألك اللهم عيشة هنية وميتةً سوية ومرداً إليك غير مخزٍ ولا فاضح.
إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً . اللهم صلَّ وسلم وزد وبارك على نبيك محمد صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وارض اللهم عن البقية العشرة وأهل الشجرة ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين, إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون, فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم واشكروه على آلائه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
الأمة وجاهد في الله حق جهاده وعبد ربه مخلصاً حتى أتاه اليقين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين أما بعد فيا عباد الله اتقوا الله تعالى حق التقوى يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوماً لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور.
معاشر المؤمنين :
لقد أخذ الترف والتعلق بزينة الحياة الدنيا وشهوتها بألـبـــاب أفراد من الأمة واستحوذا على عقولهم إلى درجة أنهم أصبحوا ينظرون إلى تعاليم الإسلام وأحكامه على أنها تفسد عليهم مـتـعـتـهـم وبهجتهم بها فاتخذوا كتاب ربهم وسنة نبيهم وراءهم ظهرياً وتولوا وأعرضوا حتى وصل الأمر ببعضهم إلى ترك الطاعة بل ومبارزة الله تعالى بالمعاصي.
حقيقة الترف :
جاء في القاموس : التُّرْفَةُ: النعمة والطعام الطـيــب، والشيء الظريف تخص به صاحبك ، والمترف كمُكرمَ: هو المتروك يصنع ما يشاء لا يُمنَع، والمُتَنَعَّمُ لا يمنع من تنعمه (القاموس المحيط 1026).والترف هو مجاوزة حد الاعتدال بنعمة أو الإكثار من النعم التي يحصل بها الترف ( الترف للأستاذ / ناصر بن عمار، ص 7 ).والمترف هو من أبطـــرته النعمة وسعة العيش وألهته عن طاعة الله ، فتراه حريصاً على زيادة أحواله وعوائده ساعٍ إلى بلوغ الغاية في حاجات الذات الحسية من مأكل ومشرب ومسكن ومركب .
موقف الإسلام من الترف :
وقد ورد ذكر الترف في ثمانية مواضع من كتاب الله كلها في مقام الذم له والتحذير منه لأن الترف والتكذيب بآيات الله غالباً ما يقترنان ،كما في قوله تعالى { وكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إنَّا وجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وإنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّــقْــتَدُونَ }وكما في قوله عن سبب عذاب وشقاء أصحاب الشِّمال { إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ* وََكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ * وَكَانُوا يَقُولُونَ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ } .
وورد عدد من الأحاديث النبوية تنهى عن الترف وتحذر من تعلُّق القلب به ، ومن غلو الإنسان في الانغماس في متع الحياة وملذاتهــا، وتحث على تركه والانصراف عنه إلى مـا هو خير في الدارين.عن عمرو بن عوف رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :” فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم “. رواه مسلم ( 4/2274 ). وعن عبد الله بن عمرورضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال “: كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا ما لم يخالطه إسراف أو مخيلة “. رواه ابن ماجة وحسنه الألباني في صحيح الجامع (2/830) .
إنَّ دعوة الإسلام إلى ذم الترف والتحذير منه لا تعني تحريم ما أحل الله من النعم والطيبات ، وإنما المراد الاقتصاد في الإنفاق وعدم تعلق القلب بها والركون إليها. عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : “إن الله جميل يحب الجمال، ويحب أن يرى أثر نعمته على عبده ويبغض البؤس والتباؤس “. رواه البيهقي في الشعب وصححه الألباني في صحيح الجامع (1/359) .وقال صلى الله عليه وسلم لوالد أبي الأحوص: “فإذا آتاك الله مالاً فليُرَ أثر نعمة الله عليك وكرامته ” رواه أبو داود وصححه الألباني رحمه الله في صحيح الجامع (1/284 ).وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم :” اللهم أصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي “.رواه مسلم (4/2087) .
حال المترفين :
ولكن مِنَ المترفين مَنْ لم يراعِ هذا المفهوم السامي الذي أرشدت إليه الأحاديث النبوية لاستعمال نعم الله تعالى على خير وجه يحقق سعادة الدنيا والآخرة ، فتجده غير مبالٍ بصحة جسده مفرِطاً في تناول الطعام والشراب وتوفير متطلبات النفس مما لذ وطاب ، فوقع فريسة السمنة وأمراض التخمة لإعراضه عن التوجيه النبوي الذي يستأصل مشاكل السمنة ويعالجها قبل ظهورها.عن مِقدام بن معدي رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :” ما ملأ ابن آدم وعاءً شراً من بطن بحسْب ابن آدم أُكُلات يُقِمْنَ صلبه فإن كان لا محالة: فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لِنَفَسِه “. رواه أحمد والنسائي وغيرهما وصححه الألباني في الإرواء ( 1938 ) .
* وتراه يتباهى بلبس الملابس الراقية والأقمشة الفاخرة متعالياً على غيره والنبي صلى الله عليه وسلم يقول :” من ترك اللباس تواضعاً لله وهو يقدر عليه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره من أي حلل الإيمان شاء يلبسها ” . رواه الترمذي وأحمد وسنده حسن . والبعض يسبل الإزار تحت الكعبين تكبراً وبطراً ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :” إزرة المسلم إلى نصف الساق ولا حرج ــ أو لا جناح ــ فيما بينه وبين الكعبين ، فما كان أسفل من الكعبين فهو في النار ، ومن جرَّ إزاره بطراً لم ينظر الله إليه ” . رواه أبو داود وإسناده صحيح . والبعض الآخر ينوِّع من استعمال الملابس حسب أوقات اليوم فللصباح ملابس وللمساء أخرى ، حتى كثرت بسبب ذلك الملابس غير المستخدمة وتكدست ، وأكثر ما يكون هذا الترف لدى النساء .
* ومن سماتهم : التبذير والإسراف وإنفاق الأموال الطائلة في بناء المنازل والدور، والتباهي في إعدادها وتصاميمها البديعة في الشـكــل الخارجي والداخلي، مع الحرص على تعدد مواقعها فبعضها للشتاء والآخر للصيف، وبعضها للسكن وبعضها للنزهة ، ومع الحرص على سعتها وكثرة غرفها ووجود ملحقات لها ووفرة وسائل الترفيه فيها، وحسب ابن آدم من كل هذا الشيء القليل. عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال : مرَّ بي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أطيِّن حائطاً لي أنا وأمي فقال : ” ما هذا يا عبد الله ؟ ” فقلت : يا رسول الله شيء أصلحه ، فقال :” الأمر أسرع من ذلك “. رواه أبو داود وصححه الوادعي رحمه الله في الصحيح المسند ( 1 / 535 ).
* ومنهم من يبالغ في العناية بنعومة جسده وطراوته وترهُّل الأطراف ويسـتـكـثر مــن الكماليات ووسائل العناية بالنفس ، والإفراط في التدهن والتطيُّب وترجيل الشعر.عن عبد الله ابن مغفل رضي الله عنه قال :” نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الترجل إلا غباً “. رواه أبو داود وحسنه العلامة الألباني رحمه الله في السلسلة الصحيحة .قال السندي معنى غِبَّاً : أي أن يسرح شعره يوماً ويترك يوماً ، والمراد كراهة المداومة على ذلك .وعن عبد الله بن بريدة : أنَّ رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رحل إلى فضالة بن عبيد رضي الله عنه وهو بمصر فقدم عليه وهو يمد ناقة له ـ أي يسقيها مديداً من الماءـ، فقال : إني لم آتك زائراً ، وإنما أتيتك لحديث بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجوت أن يكون عندك منه علم ، فرآه شعثاً ، فقال له ما لي أراك شعثاً وأنت أمير البلد ؟ فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينهانا عن كثير من الإرفاه ، ورآه حافياً فقال : مالي أراك حافياً ؟ فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا أن نحتفي أحياناً . أخرجه أحمد وأبو داوود وصححه الألباني في الصحيحة (2 / 4 ) .قال في النهاية : الإرفاه هو كثرة التدهن والتنعم ، وقيل التوسع في المشرب والمطعم ، أراد صلى الله عليه وسلم ترك التنعم والدعة ولين العيش لأنه من زي العجم وأرباب الدنيا .
* ومِنَ المترفين مَنْ يسرف في اقتناء الفرش الوثيرة والأواني الفاخرة والمتاع الراقي ، أو يكثر من ذلك كثرة تقصر معها أيام العمر وتأبى أن تتسع للعبد لكي ينتفع بها ويستخدمها. لقد كان من هدي النبوة التقلل من ذلك قدر الإمكان فقد روى البخاري والنسائي عن عمرو بن الحارث رضي الله عنه أنه قال :”ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا سلاحه وبغلته وأرضاً جعلها لابن السبيل صدقة “.وقالت عائشة رضي الله عنها :” كان فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم من أُدْم ــ أي من جلد ــ حشوه من ليف ” . رواه البخاري .
* ومنهم مَنْ لا يقوم بحاجاتـه الذاتية والاجتماعية التي يمكنه القيام بها، ويلجأ بدلاً من ذلك إلى استقدام الخدم رجالاً ونـســــاء من غير حاجة إليهم ، وإنما رغبة في ترفيه النفس وحب التفاخر والتباهي والظهور بمظهر المتميز أمام الآخرين.
* وغالبهم يكثر من استخدام وسائل الترويح عن النفس من مزاح وألعاب ونزهة وزيارات كثيرة تخرج بالترويح عن الحكمة التي شرع لأجلها، حتى تصبح في حياة كثير من الناس هي الأصل والطاعة والعبادة هو الفرع فلا يحرص على طاعة ولا يجتهد في قربة ، ويتوانى عن القيام بما يقِّربه إلى الآخرة من صلاة النفل وصيام التطوع وكثرة الذكر ويضيع ساعات العمر وأيامه في أمور إن لم تكن من السيئات فلن تكون من الحسنات بحال .قال رسول الله صلى الله عليه وسلم محذراً من ذلك: ” ما من ساعة تمر بابن آدم لم يذكر الله فيها إلا حسر عليها يوم القيامة “.رواه أبو نعيم في الحلية وحسنه الألباني رحمه الله في صحيح الجامع ( 2/997 ) ومما استحسن من كلام الحجاج قوله على المنبر: (إن امرءاً ذهب من عمره ساعة في غير ما خُلِق له ، لخليقٌ أن تتطاول عليه حسراته) أورده الماوردي في نصيحة الملوك ( 17 ) .
* كما أنَّ قلة العبادة والتكاسل عن الطاعة هي السمة الغالبة على معظمهم إلا من رحم الله منهم وقليل ما هم ، وذلك لأن قلب ابن آدم إذا ملىء بشيء حتى فاض استحال ملؤه بغيره ، وكل إناء بالذي فيه ينضح ، فالمترف قد ملأ قلبه أو كاد بحب الدنيا وتحصيل متعها وشهواتها، فإذا لم تجد الطاعة مكاناً لما في قلبه فإنها تـرحل عنه ، قال أبو حازم رحمه الله: (يسير الدنيا يشغل عن كثير الآخرة) ( ذم الدنيا لابن أبي الدنيا 135 .) فإذا كان هذا حال اليسير من الدنيا فكيف بحال الكثير منها ؟!.
* ولم يقف حالهم عند ذلك بل إن الكثير منهم خرج عن الجادة وولغ في المعصية وانغمس في الرذيلة ، لإكثاره من الملذات والشهوات المباحة أولاً، ثم توسع فيها حتى خرج عن دائرة المباح إلى دائرة المشتبه فيه، ومع الزمن وقـع في المحرمات قليلاً قليلاً حتى وصل إلى مرحلة الفسق والمجاهرة بالمعصية ، نسأل الله السلامة والعافية .
* ومنهم من وقع في عبودية الهوى والشهوات وردَّ الحق وكذَّب به، وقد أبان الله تـعـالـى في كتابه أن الترف سبب ذلك فقال { واتَّبَعَ الَذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وكَانُوا مُجْرِمِينَ} ، وقال عز وجل {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِــــن نَّذِيرٍ إلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ } .
* ومن حال المترفين : قسوة القلب وغلظة الحس وثقل البدن مما يؤدي إلى نـسـيـان الـعـلـــم وزوال الفطنة والحرمان من متعة التطلع إلى ما وراء اللذة الآنية بالإضافة إلى حرمان النفس من لذة الاهتمامات الكبرى اللائقة بالدور العظيم للمسلم في حياته مع انـشـغــال القلب عن التبصر بما يدور حوله واستلهام العبرة والعظة من ذلك ، كل هذا نتيجة غرقه في لجة اللذائذ والـشـهــوات ، قال الشوكاني رحمه الله عند قوله تعالى {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} قال : (وخصص المترفين تنبيهاً على أن التنعم هو سبب إهمال النظر)فتح القدير 4/773 * ومن سيما هؤلاء: العجز والكسل والتواني عن أداء الأعمال النافعة بحيث ينجز الواحد منهم عمل اليوم في أسبوع، وعمل الأسبوع في شهر، ولقبح هاتين الخصلتين ، كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ منهما بقوله : (اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل ) رواه مسلم (4/2079).
أسباب الترف :
ولوقوعهم هؤلاء في الترف أسباب منها : 1- نسيان الموت والغفلة عن الدار الآخرة وقلــة خـشـيـــة الله تعالى ، وعدم محاسبة النفس وطول الأمل ، قال تعالى محذراً من ذلك {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ}، وقال صلى الله عليه وسلم موصياً ابن عمر: “كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل “. رواه البخاري ( الفتح 11/237 ). قال ابن عبد البر في جامع العلوم والحكم : (وذلك لأن الغريب لا تعلق له ببلد الغربة، ولا تشاغل لديه بملذاتها وملهياتها، بل قلبه معلق بوطنه الذي يرجع إليه ، والمسافر لا هَمَّ له في الاستكثار من متاع الدنيا أثناء قطعه لمنازل السفر، وإنمـا يـكـتـفـي بتحصيل زاد السفر له ولراحلته لا غير) (جامع العلوم والحكم 2/ 378 ــ 381 ).
2- ومن الأسباب : تـغليب متطلبات الجسد من مأكل ومشرب وملبس ومركب ومسكن ووسائل ترويح وتلبيتها والتكاسل عن العمل للباقية والتزود للآخرة ، وقد كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم الموازنة بين عمل الدنيا وعمل الآخرة وعدم الانشغال بالأمور الدنيوية على العبادة وعدم الانقطاع لعمل الآخرة وإهمال ما فيه مصلحة للعبد في دنياه.روى البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن عمرو رضي الله عنه حين علم بمغالاته في العبادة : ” ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل، فقلت:بلى يا رســــول الله قال: فلا تفعل صم وأفطر وقم ونم فإن لجسدك عليك حقاً وإن لعينك عليك حقاً وإن لزوجك عليك حقاً وإن لزورك عليك حقاً”. وروى البخاري أيضاً أن نفراً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سألوا عن عبادته فلما أُخبِروا فكأنهم تقالُّوها وقالوا: أين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبداً وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :” أنتم الذين قلتم كذا وكذا أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني”( الفتح 5063 ) .
3 - آخرون وقعوا في الترف بزعم أنه لا بد أن يكون الإنسان ابن بيئته وأن يظهر بالمظهر اللائق به مطعماً ومشرباً ومركباً ومسكناً وخدماً فيقع قي تقليد المترفين ممن لا خلاق لهم مباهاةً وتفاخراً وحباً في مساواتهم في أحوالهم ومعاشهم ، قال النبي صلى الله عليه وسلم :” انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم ” متفق عليه واللفظ لمسلم . وقد ندب الله المؤمنين إلى التنافس في أمور الآخرة والمسارعة إلى مغفرته ورضوانه وجنته فقال {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ } وقال سبحانه {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ } . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :” بادروا بالأعمال سبعاً ، هل تنتظرون إلا فقراً مُنْسِياً أو غنى مُطْغِياً أو مرضاً مُفسداً أو هرماً مُفنِداً أو موتاً مجْهِزاً أو الدجال فشرُّ غائب ينتظر أو الساعة والساعة أدهى وأمر “. رواه الترمذي وهو حديث حسن .
4 – ومن الأسباب : ضعف التربية الإيمانية والتوجيه الجاد من قبل بعض الأهل والمربين في التحذير من فتنة الحياة الدنيا وزخرفها ، والتقاعس عن تربية النشء على الطاعة والجَلَدَ والخشونة يقول تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}.وقال عمر رضي الله عنه :” اخشوشنوا فإن النعم لا تدوم ” ذكره ابن القيم في كتاب الفروسية .
5- ومن أسباب الترف : تعلق النفس بالشهوات ، فقد حبب الله تعالى للبشر زينة الحياة الدنيا وزخرفها، فقال{زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ }، ولا بأس بالحب الفطري والضروري لاستمرار الحياة البشرية ، ولكن المترفون يقدمون حب تلك الأشياء على محبوبات الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ويتشاغلون بها ويركنون إليها حتى يصبحوا أرقاء لها ، وقد حذر تعالى في كتابه عباده من تقديم حبهم لشهواتهم وملذاتهم على حبه سبحانه وحب رسوله صلى الله عليه وسلم والعمل لدينه، فقال عز وجل {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}.
7- كما أن للدعوات المضللة والإغراءات المتكررة التي مارسها اليهود والنصارى لإيقاع المسلمين في الشهوات أثر كبير في انجراف الكثير منهم في تيار الترف ، فقد سعى هؤلاء إلى إلهاء الأمة بالشهوات وانغماسها بالملذات واللهو والعبث حتى لا تفيق ولا تنتبه لما يخططون لها لطمس عقيدتها وإذلال كرامتها{وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً } فأغرقوا أسواق المسلمين بوسائل الترف وفنون الملذات ، وزينوا ذلك في نفوسهم وبثوا الدعايات المختلفة وأقنعوا الكثيرين بأنها دليل من أدلة الحضارة وعنوان من عناوين التقدم والتميز والرقي في المجتمع .ولقد أفصح اليهود قبحهم الله عن نواياهم الخبيثة من هذا الفعل: جاء في البروتوكول السادس من بروتوكولات بني صهيون: (سنشجع حب الترف المطلق) وجاء في البروتوكول الثالث عشر: ( سنلهيها – أي الجماهير المسلمة – أيضاً بأنواع شتى من الملاهي والألعاب ومزجيات للفراغ والمجامع العامة وهلم جرا) ( الخطر اليهودي للتونسي 126 ــ 151 بتصرف كبير ). وصدق الله القائل {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا }.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم …
إن في هدي السلف وكيفية تعاملهم مع متع الحياة وملذاتها، للأخذ منهم والسـيــر على منوالهم ، علاجاً ناجعاً وبلسماً شافياً لهذه الآفة فمن هديهم :
أولاً : تربية النفس على عدم تحقيق كل ما تشتهيه رغم القدرة على تحقيق مطلوبها؛ قال رجل لابن عمر رضي الله عنهم : ألا أجيئك بجوارش ، قال: وأي شيء هو؟ قال: شيء يهضم الطعام إذا أكلته، قال: ما شبعت منذ أربعة أشهر، وليس ذاك أني لا أقدر عليه، ولـكـن أدركـت أقـــواماً يجوعون أكثر مما يشبعون . رواه الإمام أحمد في الزهد . (189) ، وفي رواية : ولكن عهدت أقواماً يجوعون مرة ويشبعون مرة . وسئل الحسن عن الرجل يبتاع الطعام ويبتاع اللحم، هل عليه في ذلك؟ فقال: إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: كفى سرفاً ألا تشتهي شيئاً إلا أكلته. أورده ابن أبي الدنيا في كتاب إصلاح المال ( 106 ) .
ثانياً : النظر إلى ملذات الحياة الدنيا وشهواتها على أساس أنها وسـيـلــة زائلة تقرب إلى الدار الآخرة لا على أنها غاية في ذاتها وهدف يطمح إلى تحقيقه والتشبث به ، قال عثمان ابن عفان رضي الله عنه في آخر خطبة له: إن الله إنما أعطاكم الدنيا لتطلـبــوا بها الآخرة، ولم يعطكموها لتركنوا إليها، إن الدنيا تفنى والآخرة تبقى، لا تبطركم الفانية، ولا تشغلكم عن الباقية، آثِروا ما يبقى على ما يفنى فإن الدنيا منقطعة وإن المصير إلى الله عز وجل .ذكره ابن أبي الدنيا في ذم المال ( 77 ) .
ثالثاً : التوسط في الإنفاق على النفس والأهل؛ قال عبدالملك بن مروان لعمر ابن عبد العزيز: كيف وما يغنيك؟، قال: الحسنة بين السيئتين، قال الله تعالى {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً}. وقال الحسن : إن مـن عـلامة المؤمن:أن لا يقصر به بيته، ولا يبخل ولا يبذر، ولا يسرف ولا يقتر . وعن سفيان، قــال: كـانــوا يـكـرهــون الشهرتين : الثياب الجياد التي يشتهر فيها ويرفع الناس فيها أبصارهم، والثياب الرديئة التي يُحتقر فيها ويُستَذَل دينه . ذكره ابن أبي الدنيا في إصلاح المال ( 100).
رابعاً : الإنفاق في وجوه البر والـخـيــر ، عن علي رضي الله عنه قال: ما أنفقت على نفسك وأهلك من غير سرف ولا تقتير فلك، وما تصدقت فلك، وما أنفقت رياء وسمعة فذلك حظ الشيطان ذكره الماوردي في كنز العمال ( 6 / 509)، وأورد الذهبي في السير عن الزهري قال: تصدق ابن عوف رضي الله عنه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بشطر مـالـــه، ثـم تصــدق بأربعين ألف دينار، وحمل على خمسمائة فرس في سبيل الله، ثم حمل على خمسمائة راحلة في سبيل الله، وكان عامة ماله من التجارة (سير أعلام النبلاء2 / 81 )، وعن الحسن، قال: باع طلحة رضي الله عنه أرضاً له بسبعمائة ألف، فبات ذلك المال عنده ليلة، فبات أرقاً من مخافة المال حتى أصبح ففرقه . ذكره أبو نعيم في حلية الأولياء ( 1 / 89 )، وعن مغيث بن سمي، قال: كان للزبير ألف مملوك يؤدون إليه الخراج فكـــان يقسمه كل ليلة ثم يقوم إلى منزله وليس معه منه شيء .أورده أبو نعيم في الحلية .
خامساً : الـسـعي في طلب الرزق سعياً لا يؤدي إلى التفريط في الطاعات قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد - وهــي من عوالي المدينة - وكنا نتناوب النزول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ينزل يوماً وأنزل يوماً، فإذا نزلت جئت بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مـثـــل ذلك. رواه البخاري ( (الفتح 1 / 223 )، وعن ثابت البناني، قال: ذكر أنس سبعين رجلاً من الأنصار كانوا إذا جَنَّهم الليل أودوا إلى معلم لهم بالمدينة يبيتون يدرسون القرآن، فإذا أصبحوا فمن كانت عنده قوة أصاب من الحطب واستعذب من الماء، ومن كانت عنده سعة أصاب الشاة فأصلحها فـكـانـت تـصـبـح معلقة بحُجَر رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكره أبو نعيم في حلية الأولياء ( 1 / 123 )، وقال علامة الشام القاسمي رحمه الله : وكان السلف يبتدرون عند الأذان ويُخلُون الأسواق لأهل الذمة والصبيان .(موعظة المؤمنين 1 / 125 ).
سادساً : الإكثار من محاسبة النفس عند سـعــة الـرزق وانبسـاطــه، وخشيتهم من أن يكون ذلك استدراجاً ، قال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه : قُتل حمزة فلم نجــد ما نكفنه فيه ـ وهو خير مني ـ، وقتل مصعب بن عمير ـ وهو خير مني ـ فلم نجد ما نكـفـنــه، وقـد أصبنا منها ما قد أصبنا.. ثم قال: إني لأخشى أن يكون قد عجلت لنا طيباتنا في الدنيا(حلية الأولياء 1 / 100 ).وعــاد خـبـاباً رضي الله عنه نفرٌ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: أبشر يا أبا عبد الله إخوانك تقدم عـلـيـهـم غـداً، قال: فبكى وقال: أما إنه ليس بي جزع ولكنكم ذكرتموني أقواماً وسميتم لي إخواناً، وإن أولئك قد مضوا بأجورهم كلهم، وإني أخاف أن يكون ثواب ما تذكرون من تلك الأعمال ما أوتينا بعدهم . (الحلية 1 / 145).
وينبغي على كل مسلم أن يعلم : أن الترف والتنعم والرفاهية مما لا يليق بأهل الآخرة، بل اللائق بهم العمل بدين الله والدعوة إليه والذود عنه؛ فما عند الله خير وأبقى، { بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى }،ومن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه ؛ قال الله تعالى في الحديث القدسي: ” أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر” . رواه البخاري ( الفتح 6 / 366 )، وقال ابن القيم رحمه الله: قال لي شيخ الإسلام في شيء من المباح : هذا ينافـي الـمراتب العالية، وإن لم يكن تركه شرطاً في النجاة ، ثم قال ابن القيم : فالعارف يترك كثيراً من المباح إبقاءً على صيانته ولاسيما إذا كان ذلك المباح برزخاً بين الحلال والحرام (مدارج السالكين 2 / 28)، وقال رحمـه الله فـي الفوائد: من أراد صفاء قلبه فليؤثر الله على شهوته (الفوائد 146).
* وعلى المترف أن ينظر في حوادث الزمان ونوائب الليالي والأيام ، وليعلم أنه إن كان غنياً اليوم فقد يكون فقيراً غداً، فإن لم يردع نفسه في غناه واغتر بحاله فقد تزول دنياه فـجـأة ويتحـول غناه فقراً وعزه ذلاً، وعندها تضيق به الأرض بما رحبت وتسوء عاقبته ، فالعاقل يُعِدُّ نفسه لتقلب الأحوال وتبدل الأزمان ، ولله در القائل:
إذا تم أمر بدا نقصـه توقع زوالاً إذا قيل تم
* كما أنه عليه أن ينظر في مدى خسارته وغبنه لاشتغاله بالترف ومظاهره : من ذهاب أمواله سدى، وإفناء الوقت في غير ما ينفع عند الله مع أنه يدنو بصاحبه من الآخرة ، وضعف محبته لربه لأن اشتغاله بمـلـذات الـدنـيــا وشهواتها يؤدي به إلى حبها حباً يصده عن الطاعة، قال ابن القيم رحمه الله : لا تدخل محبة الله في قلب فيه حب الدنيا إلا كما يدخل الجمل في سم الإبرة (الفوائد 127).
* وليدرك أن توفر وسائل الترف ومغريات الحياة بين يديه ليس من أسباب تحصيل السـعـادة ، فكم من مترف منعم معرض عن دينه واتباع نبيه صلى الله عليه وسلم بلغ الغاية في الاستمتاع بزهرة الحياة ومتعها ، ولكنه كثير الخوف والهموم، شارد البال ، حياته ضنك وأيامه بؤس وشقاء وقد يصل الأمر به إلى الانـتـحـار ، ولهذا يقول تعالى { وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} .وكم من فقير دنياه مقترة عليه ، يعيش في سعادة وانشراح صدر وحياة طيبة بسبب صلاحه وتقواه واستقامته قال تعالى{ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } قال الحسن رحمه الله : أهينوا الدنيا، فوالله ما هي لأحد بأهنأ منها لمن أهانها . رواه ابن أبي الدنيا في ذم الدنيا ( 138 ــ 139 ).
ولست أرى السعادة جمع مال ولكن الـتـقـي هو الـسـعـيد
* لا بد للعبد من إشغال نفسه بما ينفعه في آخرته ، وترتيب الأولويات بحيث يقدم الأنفع على النافع والنافع على ما ليس فيه نفع ، ومن يوفق لفعل ذلك فإنه سيتعالى بإذن الله عن التعلق بالدنيا وزينتها ؛ قال سليمان الداراني: لا يصبر عن شهوات الـدنـيــا إلا مــن كــان فـي قـلـبـه مــا يشغله بالآخرة ، وقال مالك بن دينار: بقدر ما تخزن للآخرة يخرج هم الدنيا من قلبك . ذكرهما ابن أبي الدنيا ( ذم الدنيا 66).
* إن في التأمل في تبعات الترف في الآخرة، واستشعار الوقوف بين يدي الله تعالى ، والأسئلة التي ستوجه إلى العبد في ذلك الموقف عن النعيم الذي يتقلب بين جنباته في هذه الدنيا من أكبر الدوافع على ترك الترفه والتنعم ، ولهذا: ذكّر النبي صلى الله عليه وسلم أمته بذلك فقال:” لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن عمره فيما أفناه وعن علمه ما فعل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه ” . رواه الترمذي وصححه الألباني في صحيح الجامع (2 / 221)، ولقد كان هذا التأمل من أكبر الأسـبـاب الـتـي دفـعـت بعـض السلف إلى التقلل من الدنيا وملذاتها ؛ قال طاووس رحمه الله : حلو الدنيا مـر الآخـرة، ومر الدنـيـــا حلو الآخـرة (حلية الأولياء 4 / 12) وكان الأسود يقول: من كانت الدنيا أكبر همه، طال غداً في القيامة غمه ( ذم الدنيا 132).
* وعلى العاقل إدامة النظر في حال أهـــل الـتـرف قديماً وحديثاً، والتأمل في أوضاعهم وما يعانيه غالبهم من غفلة، وقلة طاعة، وقسوة قلب، وكثرة هم، وتشتت فكر، بالإضافة إلى الفجيعة من تقلب الأحوال والخوف من انصرام ما هم عليه من نعيم وملذات ، وهذا كفيل بردعه عن التعلق بالملذات، ورحم الله سفيان الثوري حين قال: إذا أردت أن تعرف قدر الدنيا فانظر عند من هي . (ذم الدنيا145).
كما أن القليل من نعيم الدنيا يكفي لعبورها والوصول إلى الآخرة، قال صلى الله عليه وسلم حين دخل عليه عمر ـ وهو على حصير قد أثر في جنبه ـ فقال له : يا نبي الله لو اتخذت فراشاً أوثر من هذا!، فقال: مالي وللدنيا، ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار ثم راح وتركها ، رواه أحمد وصححه الألباني ( المسند 1 / 301 ) وكان خالد بن صفوان يقول : بتُّ أفكر فكسبت البحر الأخضر بالذهب الأحمر، ثم نظرت فإذا الذي يكفيني من ذلك رغيفان وطمران. أورده ابن أبي الدنيا في ذم الدنيا . ( 148). وإن نظر المترف في أحـــــوال إخوانه الـمسلمين والتأمل في ما يعانون من فقر وجهل ومرض وما يتعرضون له من حروب ، يجعله يدرك أن الأنفع له تقديم ما يفيض عن حاجته إلى إخوانه قال النبي صلى الله عليه وسلم :” لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه ” .
اللهم آمنا في أوطاننا اللهم آمنا في دورنا اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا اللهم اجمع شملنا وعلماءنا وحكامنا ودعاتنا ولا تفرح علينا عدواً ولا تشمت بنا حاسداً اللهم اهد ضالنا اللهم من ضل وتنكب الصراط اللهم رده إلى الحق رداً جميلاً . اللهم عليك بمن تسلط وآذى ونال من مقام نبينا صلى الله عليه وسلم اللهم سلط عليهم جنودك التي لا يعلمها إلا أنت يا رب العالمين اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان اللهم اجعل هذا البلد آمنا مطمئناً سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين اللهم ابسط لنا في عافية أبداننا وصلاح أعمالنا وسعة أرزاقنا وحسن أخلاقنا واستر على ذرياتنا واحفظنا بحفظك واكلأنا برعايتك اللهم أحسن خاتمتنا في خير عمل يرضيك عنا ربنا لا تقبض أرواحنا على خزي ولا غفلة ولا فاحشة ولا معصية ولا تمتنا بحق مسلم في عرض أو دم أو مال نسألك اللهم عيشة هنية وميتةً سوية ومرداً إليك غير مخزٍ ولا فاضح.
إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً . اللهم صلَّ وسلم وزد وبارك على نبيك محمد صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وارض اللهم عن البقية العشرة وأهل الشجرة ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين, إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون, فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم واشكروه على آلائه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات :
خطب ومحاضرات |
السمات:
خطب ومحاضرات
أرسل الإدراج
|
دوّن الإدراج
أكتوبر 4th, 2008 at 4 أكتوبر 2008 10:21 ص
شكرا لك أخي عبد الرحمن
مجهود رااائع
لو أضفت تلوين للخط وبعض التنسيق يكون افضل (وجهة نظر)
تحياتي
يسعدني زيارتك
http://hakomee14.maktoobblog.com/
أكتوبر 7th, 2008 at 7 أكتوبر 2008 6:36 م
بسم الله الرحمن الرحيم
الورطة الاقتصادية الأمريكية
كثيرة تلك المقالات والدراسات التي حامت حول سبب هذه النكبة الاقتصادية في الدولة الأمريكية ، وكثيرة تلك النظريات التي عرضها الخبراء والمحللون في الجرائد والمجلات والمواقع الإلكترونية وشاشات الفضائيات ، ورغم كثرة هذه التحليلات والآراء والأفكار ، إلا أننا لم نجد من تطرّق لأصل المشكلة ولبها الذي بسببه طرأت هذه المشكلة الاقتصادية منذ قرابة التسعة أشهر !!
إن سبب المشكلة المباشر ليس بضعة شركات عقارية ، ولا بضعة بنوك استثمارية ، ولا بضعة قوانين ربوية ، فهذه أعراض ظهرت بعد تراكم آثار المشكلة الحقيقية التي اتفق المحللون على تغييبها لأسباب عدة ، ليس هذا مجال بيانها ، وكل له سببه ، فالحقيقة لا تخفى على من له أدنى اطلاع على أبجديات علم الإقتصاد ..
ما هي الحقيقة !!
عندما تكون رب بيت ولا تنفق على أهل بيتك أو تقلل من نفقاتهم فإن أهل البيت لا بد متضررون ، وعندما تكون مالكاً لتجارة فلا بد من إعادة الإستثمار فيها وإلا فإنها تبور ، وعندما تكون حاكم دولة وتخرج أموالها خارجها دون مقابل لما أخرجته فلا بد أن تتضرر الدولة ، وهذه هي مشكلة أمريكا اليوم ..
لقد أنفقت الحكومة الأمريكية قرابة الـ (560) مليار دولار كنفقات معلنة مباشرة في حرب العراق ، أما النفقات المباشرة في الحرب الصليبية على الإسلام ككل فقد بلغت أكثر من (ألف ألف ألف ألف) أي أكثر من “تريليون” دولار ، وهذا المبلغ سُحب من الإقتصاد الأمريكي ليُنفق خارجها فتعطّلت عجلة الإقتصاد فيها ، هذا عدا النفقات الغير مباشرة والغير مُعلنة ..
لعل من لم تكن عنده معلومات عن مبادئ التجارة والإقتصاد أن يعي معنى هذا الكلام من خلال هذا المثال البسيط :
لنفرض أن الحكومة الأمريكية – بدلاً من خوض الحرب على العراق – بنت مدرسة ابتداية في مدينة صغيرة في إحدى الولايات ، هذه المدرسة تحتاج إلى : طابوق وأسمنت وحديد وخشب وزجاج وتراب وحصباء وأصباغ وأسلاك ومعدات كهربائية وأطقم دورات مياه وأطقم صفوف ومكاتب إدارية ، ثم تحتاج إلى حفارات وخلاطات ومكائن ومعدات بناء ، وتحتاج إلى عمال حاذقين لجميع هذه المواد ، وتحتاج المدرسة إلى مدرسين وإداريين وعمال نظافة وغيرهم ، وتحتاج إلى تصريحات من دوائر الكهرباء والبلدية وغيرها من الدوائر الحكومية ، وتحتاج إلى مراقبة وتعاهد من جهات حكومية أخرى ، وتحتاج إلى أجهزة حاسب آلي وأجهزة مختبرات وكتب وأقلام وغيرها من المستلزمات المدرسية ..
للقارئ أن يتصور حجم التداخل في بناء هذه المدرسة ، فلكل مادة من مواد البناء مصنع فيه عمال ، ولكل نوع من أنواع المعدات شركات خاصة ، ولكل نوع من أنواع الأطقم شركات أخرى ، والدوائر الحكومية بها موظفون مسؤولون عن التصريحات والمراقبة ، هذا فضلاً عن مراقبة وزارة التربية الأمريكية ومراكز تطوير الدراسات والمناهج وغيرها ..
لا شك أن الأطفال في المدرسة يحتاجون إلى الطعام ، وهذا مصدر آخر غير ما ذكرنا ، ولا شك انهم يحتاجون إلى أدوات ترفيهية ، وهذا اختصاص آخر له مصانعه وعماله ، ولو قلنا بأن هذه المدرسة الوحيدة في المنطقة فإن ولاة أمر الطلبة سيوفرون مبالغ لا بأس بها جراء عدم نقلهم أبنائهم إلى مدارس أخرى بعيدة ، وهذا يجعلهم يدخرون أموال الوقود ، وبذلك تزيد قوتهم الشرائية ، وكذلك فإن العمال المشتغلون في المدرسة سيحتاجون إلى خدمات كالمطاعم والمستوصفات وأماكن الترفيه وغيرها ، ولو جلسنا نحصي جميع ما يتداخل في بناء وإقامة هذه المدرسة الإبتدائية فإن الأمر يطول ، وما ذكرناه هنا شيء يسير ..
يتضح من المثال السابق حجم الخسارة الأمريكية من جراء عدم بناء مدرسة ابتدائية واحدة ، فهذه المصانع قلّت مواردها ، وهؤلاء العمال قل دخلهم وربما استغنت المصانع والشركات عن كثير منهم بسبب نقص الموارد الذي سببه نقص الطلب على منتجاتهم ، وهذا في كل مادة خام وفي كل منتج ، وهؤلاء العمال سيكونون عالة على المجتمع ، وربما اتجه كثير منهم إلى الإجرام لتوفير دخل لهم ولأهليهم ، وهذا يحدث كثيراً في أمريكا ، وبذلك تكتظ السجون وتتحمل الحكومة نفقات بقائهم فيها بدلاً من استثمار الأموال في أمور أخرى تعود بالفائدة على الإقتصاد ، واستقصاء مثل هذا يطول ..
لو قلنا بأن قيمة بناء المدرسة الواحدة تساوي ثلاثة ملايين دولار ، فإن القيمة المعلنة للحرب على العراق كانت كفيلة ببناء (186000) مدرسة ، وللقارئ أن يتخيل حجم هذا الإستثمار ومدى فاعليته في فتح المصانع الجديدة وتشغيل العمال ، وقل هذا عن بناء الجامعات والمعاهد العلمية أو الشوارع والجسور أو غيرها من البنى التحتية أو مراكز الأبحاث وغيرها من الإستثمارات الداخلية الكثيرة المتنوعة ..
الإقتصاديون يدركون بأن للوحدة النقدية دورات في الإقتصاد ، معنى هذا أنك لو أدخلت دولاراً في اقتصاد ما فإن هذا الدولار يتعدى قيمته ليصبح أكبر من حجمه بكثير بسبب دورته ، فأنت حينما تبني مدرسة فإنك لا تشتري الطابوق فقط ، بل تشتري جميع ما ذكرنا سابقاً وتُنفق على جميع المصانع والعمال ومن يخدمهم ومن يوفر لهم المواد الخام ومن يستفيد من خدماتهم ، فهذا الدولار ليس طابوقاً في جدار المدرسة ، بل هو سلسلة من العمليات والإستثمارت المتشابكة في الدورة الإقتصادية للمدينة ..
إن المصيبة التي أحلها بوش بالإقتصاد الأمريكي هو سحبه لهذه المبالغ الضخمة من الإقتصاد في بلاده بدون مقابل ، وهذه كارثة اقتصادية يعرف نتيجتها طلاب سنة أولى اقتصاد !!
لعل البعض يتسائل : لماذا رضي الكونجرس ومجلس الشيوخ وخبراء البيت الأبيض بهذه المغامرة الكبيرة المعروفة المآل !!
الحقيقة أن الإدارة الأمريكية لم تُقدم على هذه الخطوة إلا بعد دراسة وحسابات بعيدة ، وهذه المبالغ الضخمة التي أُنفقت على الحرب لم يخطط لها أن تكون على حساب الإدارة الأمريكية بهذا الشكل ، فالإدارة الأمريكية حسبت حساباتها قبل بدئ هذه المغامرة ، ولكنها فشلت فشلاً ذريعاً في تقدير أمر أعماها الله عنه ..
كانت خطة أمريكا أن تدخل أفغانستان وتطيح بالإمارة الإسلامية وتنشئ خط أنابيب للنفط يشق أفغانستان إلى البحر عن طريق باكستان أو إيران ، ثم تحتل العراق وتبني قواعد عسكرية دائمة فيها لتحتل بعدها إيران والخليج العربي فتسيطر على مخزون النفط العالمي وتستعيد ما أنفقته على الحرب من عوائد النفط ويكون العالم كله تحت رحمتها .. هذا ما أرادته أمريكا من الناحية الإقتصادية والسياسية ..
لم تكن أمريكا تتوقع هذه المقاومة الجهادية في أفغانستان ، وظنّت أن الإمارة الإسلامية ذهبت إلى غير رجعة وأن “قاعدة الجهاد” انتهت ، وهذا ما شجعها على اتخاذ الخطوة الثانية : غزو العراق ، وبينا هي في نشوة النصر والغرور إذا بقدر الله يتحقق ، وعلَم الجهاد يُرفع في العراق وأفغانستان في ظروف خيالية لم يتوقعها أكثر المحللون الأمريكيون تشائماً !!
سبع سنوات عجاف مرّت على الحكومة الأمريكية والشعب الأمريكي : استُنزِفت فيها الأموال ، وسُكبت فيها الدماء ، وحُملت الأشلاء سراً لتُقبر في أمريكا ، ومعتوه البيت الأبيض يمني شعبه النصر على “الإرهاب” !!
في هذه السنوات الطوال على الشعب الأمريكي ، كان بوش يُنفق أكثر من 40% من ضريبة الفرد الأمريكي على جيشه المهزوم ، وهذه كارثة اقتصادية بكل المقاييس ، ولكن إدارة بوش كانت تأمل بتعويض هذه الأموال من نفط بحر قزوين والخليج والعراق وإيران ، والله سبحانه وتعالى خيّب أملها ورجائها بالمجاهدين ..
إن سبب سقوط أمريكا في هذه الأزمة الإقتصادية ليس الربا والسوق العقاري والبنوك والشركات ، وإنما السبب الرئيس لهذه الورطة الكبيرة للدولة الأمريكية هو مكر الله بها أن أوجد من باع نفسه ابتغاء مرضاته فحمل روحه على كفة وجال به في ساح الوغى ليدمّر الله به حلم الإمبراطورية الأمريكية التوسعية ..
لقد أوقف المجاهدون الزحف الأمريكي على البلاد الإسلامية ، وخلطوا أوراق الإدارة الأمريكية ، وبدّدوا حلمها ، وجعلهم الله سبباً في جعل تدبير الحكومة الأمريكية تدميراً لدولتها ، وها هي أمريكا تحاول الآن استدراك الأمر بضخ أموال في اقتصادها لتعود إليه الحياة من جديد ، وهذا الضخ مصداق لما قلنا – وبيّنا - من أن الإستثمار الداخلي في الدولة هو سبب انتعاش اقتصادها ، فالحكومة الأمريكية لم تستثمر داخلياً في السنوات الماضية طمعاً في الغنيمة المرجوة من احتلال البلاد الإسلامية ، وما تسرقه من نفط العراق لا يكفي لسد العجز في الإقتصاد الأمريكي ، فرجعت أمريكا تدفع من جيبها ثمن غبائها ، ولو بقيت الإدارة الأمريكية على حالها فإن هذه الأموال لن تنفع اقتصادهم ، فهذه الإدارة لها سوابق في السرقات وسوء التصرف بالأموال العامة ، فلو ذهبت هذه الأموال في جيوب كبار القوم فإن الإقتصاد لا بد ينهار ..
إنه مكر الله واستدراجه للكفار المتغطرسين العُمي الذين لا يعقلون ..
إنه الجهاد وبركته ..
إنه النصر الذي وعد الله عباده ..
إنها المعية الإلهية ..
إنه مآل من عادى أولياء الله ..
إن هذا المكر لم يكن بالأمريكان خاصة ، وإنما بجميع حكومات الدول التي تآمرت على الجهاد وعادت المجاهدين ، فأوروبا واليابان وكثير من الدول اليوم تدفع ضريبة الوقوف مع أمريكا في وجه الإسلام ..
لقد أراد هؤلاء الكفار سرقة أموال المسلمين فدمر الله اقتصادهم ، وأرادوا أن يُذلّوا المسلمين فأرغم الله أنوفهم ، وأرادوا أن يُضعفوا المجاهدين فكان نقيض إرادتهم {وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} (النمل : 50) ، فها هي الجموع المجاهدة تزداد قوة في العراق وأفغانستان ، بينما تقل معنويات الجيوش الكافرة ويكثر في أفرادها الإنتحار والأمراض النفسية والهروب من المعركة {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ * كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} (المجادلة : 20-21) ..
نعم ، لقد مكر أكابر مجرمي الأرض في أمريكا وأوروبا بالمسلمين الموحدين ، فكان مكرهم وبالاً عليهم {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} (الأنعام : 123) ، فها هي أموالهم تضيع أمامهم ولا يستطيعون إلا إنفاق مزيد من الأموال للتغطية على الإخفاق الذي أوصلهم إليه المجاهدون بفضل من الله ومنّة ، فكانت خسارة الكفار في أعز شيء عندهم (المال) {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} (الأعراف : 99) : خسروا الأموال ، وخسروا الوجاهة الكاذبة ، وخسروا ماء الوجه ، وخسروا المعركة واندحروا وانهزموا أمام الثلّة المؤمنة ..
لقد جمع بوش زعماء العالم وأعلن - بعد دخول قواته أفغانستان وقتله النساء والأطفال - على الملأ “أنا قطب العالم الأوحد” كما فعل أخوه فرعون من قبل {فَحَشَرَ فَنَادَى * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى} (النازعات : 23-24) !!
وقال بوش وعملائه بأن أهل الجهاد مفسدون في الأرض كما قال عملاء فرعون من قبل {وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ …} {الأعراف : 127) !!
وقال بوش للناس بأنه يريد لهم الخير والديمقراطية ، كما قال أخوه بالأمس {… قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ} (غافر : 29) !!
لقد استخف بوش ببعض الفسقة والمرتدين فاتبعوه كما فعل إخوانهم مع فرعون الأول {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} (الزخرف : 54) ، فماذا حصل لفرعون مصر ولأتباعه {فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ} (الزخرف : 55) ومعنى آسفونا : أغضبونا ، فلما أغضبوا الله انتقم الله منهم فأغرقهم جميعاً ، وقال تعالى عن فرعون {فَأَخَذَهُ اللهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى} (النازعات : 25-26) ، لكن فرعون اليوم لم يعتبر بأخيه ، فما كان إلا أن ضرب الله بأهل الجهاد الأرض لينفلق بحر اقتصاد دولة الكفر فيغرق القوم في ديونهم وركودهم ليعاملهم ربنا بنقيض قصدهم : ففرعون الأمس أراد الأرواح فأخذ الله روحه ، وفرعون اليوم أراد الأموال فجعل الله الفقر في داره ..
إننا ننتظر سنة الله فيهم {قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ} (النحل : 26) ، لقد اجتمعت في أمريكا جميع الآفات والأمراض والطوام التي كانت الأمم السابقة الكافرة ، تلك الأمم التي دمرها الله بالرياح والأعاصير والمسخ والزلازل والطوفان ، وقد رأينا ما فعل آخر إعصار بهم ، ولا زالت مراصدهم تتوقع أعاصير أخرى قريبة ، فنسأل الله أن يجعلها القاضية القاصمة فيحق عليها القول فيدمرها تدميرا {… وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَحْوِيلاً} (فاطر : 43) ..
نسأل الله أن يعجّل على الكفار العذاب ويرينا فيهم ما يشفي الصدور ..
كما نسأله تعالى أن يبارك في أهل الجهاد وأن يرزقهم الثبات على الطريق ، فليس مصادفة أن يقول الله تعالى في كتابه {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (آل عمران : 200) ، وحاشا لله أن يصدف ، وإنما هذه حكمة بليغة تختبر إيمان الصادقين وتربط الصبر بالتقوى والفلاح وبعمل المجاهدين من الرباط حتى لا يستعجل المؤمنون ثمار الأعمال ولا يشغلوا أنفسهم بغير النزال ، وإنما النصر من عند الواحد الأحد ، والمجاهدون أسباب ، ولم يشترط الله عليهم النتائج ، فعلى أهل الجهاد أن يجعلوا هذه الآية نصب أعينهم والله يتكفل بهم وينصرهم من حيث لا يشعرون ولا يحتسبون ..
إن من ترك الصبر والمصابرة والرباط والجهاد وهجَر السلاح فإن الله قضى في محكم تنزيله {إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (التوبة : 39) ، وهذا الخطاب ليس موجهاً للمافقين ، بل هو موجه لأهل الإيمان ، فقد قال الله تعالى في الآية التي قبلها {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ} (التوبة : 38) قال البغوي في تفسيره “نزلت في الحث على غزوة تبوك ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رجع من الطائف أمر بالجهاد لغزوة الروم ، وكان ذلك في زمان عسرة من الناس ، وشدة من الحر ، حين طابت الثمار والظلال ، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غزوة إلا ورى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة ، غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد ، واستقبل سفرا بعيدا ، ومفاوز هائلة ، وعدواً كثيرا ، فجلّى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة عدوهم ، فشق عليهم الخروج وتثاقلوا فأنزل الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم} أي : قال لكم رسول الله : {انفروا} اخرجوا في سبيل الله {اثاقلتم إلى الأرض} أي : لزمتم أرضكم ومساكنكم ، {أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة} ، أي : بخفض الدنيا ودعتها من نعيم الآخرة {فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل} …” (انتهى) .
فالله سبحانه وتعالى يخاطب المؤمنين ، بل يخاطب الصحابة ويتوعدهم بالعذاب والإستبدال إن هم تركوا الجهاد ، وليس أحد أكرم عند الله بعدهم منهم ، فمن ترك الجهاد وتثاقل عنه ورضي بالقعود ورضي بالدنيا وأراد أن يداهن الأعداء ويعقد معهم اتفاقيات استسلام ويخلد إلى الأرض ويلقي السلاح ويستبدله بما يسمى بالعمل السياسي وطاولات المفاوضات فإن الله لا بد مستبدله بمن يحمل لواء الجهاد ويقاتل في سبيله ، هذا بعد أن يصيب أهل التقاعس والتخاذل والتثاقل العذاب الأليم ..
لقد جاء في تفسير قوله تعالى {ويستبدل قوما غيركم} : “خيرا منكم وأطوع ، قال سعيد بن جبير : هم أبناء فارس . وقيل : هم أهل اليمن” (تفسير البغوي) ، فلما ترك العرب الجهاد في العقود الماضية أقام الله علَمه على أيدي أبناء خراسان والشيشان وكشمير والفلبين والصين وطاجيكستان ونزاع بعض القبائل العربية ، ولا عزة اليوم لبشر في هذه الأرض إلا لهذه الثلة المجاهدة ، وكل من سواهم عبيد لأهوائهم أو أهواء أسيادهم ، وهذا الذل من أعظم العذاب وأشده لمن كان له قلب ..
لعقد علمتنا تجارب القرون الماضية بأن الأعداء لم يلتزموا بعهد أو اتفاقية عقدوها مع المسلمين ، وقد أخبرنا الله تعالى بذلك في كتابه فقال سبحانه {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} (البقرة : 100) ، فمن العبث الجلوس على طاولات المفاوضات مع قوم هذا شأنهم وديدنهم ، والتفاوض معهم من مخادعة النفس ومخادعة المسلمين ، ولم يحدث في تاريخ الأمة أن استرجعت حق لها بغير الجهاد في سبيل الله ، وهذه سنة الله في هذه الأمة ، والله لا يغير سنته لجماعة أو حزب أو شخص ، وقد قال نبينا صلى الله عليه وسلم “ما ترك قوم الجهاد إلا عمهم الله بالعذاب” (حسنه ابن النحاس في مشارع الأشواق والمنذري في الترغيب) ، فهذا خير البشر (النبي صلى الله عليه وسلم) قاد خير جيش على وجه الأرض (الصحابة رضي الله عنهم) ليدخل بلده التي هي خير بقعة على وجه الأرض ، فكيف يريد من هو دونه من أمته أن يستعيد حقه بغير قتال !!
إن ترك الجهاد خرق لسفينة الإسلام ، ويجب على العقلاء الأخذ على أيدي من أراد خرق السفينة ، فقد جاء في الحديث الصحيح “مثل المدهن في حدود الله والواقع فيها ، مثل قوم استهموا سفينة ، فصار بعضهم في أسفلها وصار بعضهم في أعلاها ، فكان الذي في أسفلها يمرون بالماء على الذين في أعلاها ، فتأذوا به ، فأخذ فأسا ، فجعل ينقر أسفل السفينة ، فأتوه فقالوا : ما لك ، قال : تأذيتم بي ولا بد لي من الماء ، فإن أخذوا على يديه أنجوه ونجوا أنفسهم ، وإن تركوه أهلكوه وأهلكوا أنفسهم” (البخاري) . و”المدهن” : المحابي التارك للأمر بالمعروف ، و”الواقع فيها” أي : الواقع في المعصية التي هي ترك التحاكم لشرع الله ، وحكم التارك والمدهن واحد ، فيجب على العقلاء أن يأخذوا على يد من أراد خرق سفينة الأمة بترك الجهاد ، فإن في تركه تعميم العذاب على الأمة ، وبهذا يبطل قول من قال بأن مسألة الجهاد في قطر معين هو مسألة داخلية لذلك القطر ، فالجهاد شأن الأمة كلها ، وخاصة أهل الحل والعقد ، وهم في زماننا : قادة وأمراء الجهاد والعلماء الصادعين بالحق العاملين به ، فجهاد العراق من شأن الأمة كلها ، وجهاد أفغانستان من شأن الأمة كلها ، وجهاد فلسطين من شأن الأمة كلها ، وجهاد الفلبين والصين وكشمير وتايلاند والشام والجزيرة والمغرب والصومال وكل بقعة يرتفع فيها راية الجهاد هو شأن الأمة كلها ، ولا يجوز لأحد أن يستأثر براية وينفرد بها عن سائر الأمة ويقول بأنه شأن داخلي ، فهذا ليس لأحد ، لأن الأمة كلها معنية ، ولذلك نقول ببطلان أي معاهدة أو اتفاقية يبرمها أي شخص باسم الأمة في أي بقعة من بقاع الإسلام يتنازل فيها عن حق الأمة ، لأنه تنازل من لا يملك لمن لا يستحق ، ونحن لسنا أمة تنازلات ، وإنما أمة جهاد ، وليس لعدونا منا إلا السيف ، أو نهلك دون حقوقنا ..
إن الذي يحمل راية الجهاد في هذا الزمان ما خرج إلا لنيل الشهادة ، فالتي يكرهها البعض هي التي خرج لطلبها المجاهدون ، وأهل الجهاد بين إحدى الحسنيين : إما نصر في الدنيا أو شهادة في الآخرة ، والآخرة خير وأبقى ، فكيف يساوم المجاهد على آخرته الباقية بدنيا الناس فانية !! إن من يفعل ذلك لم يكن يقاتل في سبيل الله ، بل كان يقاتل في سبيل دنياه ، ولما ظن أنه ينال بعضاً منها وضع سلاحه وجلس ليستريح - بزعمه - ويقطف ثمار نضاله !! أما أهل الصدق فلا يضعون السلاح حتى يقاتل آخرهم الدجال ، ولا راحة لهم إلا بعد نيل الشهادة أو لقاء الله سبحانه ، فثمرة جهادهم : إيمان في القلب ويقين بالوعد .. وشتان بين الفريقين !!
والله أعلم .. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ..
كتبه
حسين بن محمود
4 شوال 1429هـ
شرح مبسط جداً لأزمة المال الأمريكية
د. أنس بن فيصل الحجي
يعيش “سعيد أبو الحزن” مع عائلته في شقة مستأجرة وراتبه ينتهي دائما قبل نهاية الشهر. حلم سعيد أن يمتلك بيتاً في “أمرستان”، ويتخلص من الشقة التي يستأجرها بمبلغ 700 دولار شهرياً. ذات يوم فوجئ سعيد بأن زميله في العمل، نبهان السَهيان، اشترى بيتاً بالتقسيط. ما فاجأ سعيد هو أن راتبه الشهري هو راتب نبهان نفسه، وكلاهما لا يمكنهما بأي شكل من الأشكال شراء سيارة مستعملة بالتقسيط، فكيف ببيت؟ لم يستطع سعيد أن يكتم مفاجأته فصارح نبهان بالأمر، فأخبره نبهان أنه يمكنه هو أيضاً أن يشتري بيتا مثله، وأعطاه رقم تلفون المكتب العقاري الذي اشترى البيت عن طريقه.
لم يصدق سعيد كلام نبهان، لكن رغبته في تملك بيت حرمته النوم تلك الليلة، وكان أول ما قام به في اليوم التالي هو الاتصال بالمكتب العقاري للتأكد من كلام نبهان، ففوجئ بالاهتمام الشديد، وبإصرار الموظفة “سهام نصابين” على أن يقوم هو وزوجته بزيارة المكتب بأسرع وقت ممكن. وشرحت سهام لسعيد أنه لا يمكنه الحصول على أي قرض من أي بنك بسبب انخفاض راتبه من جهة، ولأنه لا يملك من متاع الدنيا شيئا ليرهنه من جهة أخرى. ولكنها ستساعده على الحصول على قرض، ولكن بمعدلات فائدة عالية. ولأن سهام تحب مساعدة “العمال والكادحين” أمثال سعيد
ديسمبر 14th, 2008 at 14 ديسمبر 2008 7:06 م
موقع حراج السيارات
http://www.hrajcar.com/Result_ar.aspx?ses=OBVXIDMRCUASDHUXKFBDVDHA
يناير 13th, 2009 at 13 يناير 2009 3:51 ص
اول شهيد حضرمي بفلسطين : المجاهد النقيب محمد سعيد باعباد
http://hadramut.maktoobblog.com/?post=1567338
يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ … بقلم : الحبيب علي زين العابدين الجفري
http://hadramut.maktoobblog.com/?post=1567404
قلوبنا لغزة الصمود وغزه في قلوبنا
ولانملك مع الاجتياح الغاشم الجبان لمدرعات العدو الصهيوني الا ان نكثر من الدعاء .. الدعاء .. الدعاء .. ولاحول ولا قوة الا بالله
اللهم انصر اخواننا المستضعفين في كل مكان
اللهم انصرهم في غزة
اللهم تقبل شهدائهم
اللهم سدد رميهم
اللهم انصرهم بحولك وقوتك ياذا الجلال والاكرام ياعزيز ياجبار ياقوي يامتين
اللهم كن لهم ولا تكن عليهم …
وحسبنا الله ونعم الوكيل
وكم يسرنا تسجيل الحضور في هذا الصرح الطيب
المتميز بمثابرة وتميزالقائمين عليه…
وتقبلوا وافر التحية والاحترام
من اخوانكم في حضرموت اليوم
http://hadramut.maktoobblog.com