حصار غزّة


الحالة الإخوانية في الخليج.. رؤية نقدية

يونيو 6th, 2008 كتبها عبدالرحمن السمان نشر في , آفاق فكرية

مهنَّا الحبيل

اعضاء في البرلمان الكويتي

ربما كانت صدمة النتائج الانتخابية لكتلة الإخوان المسلمين الممثلة بالحركة الدستورية الإسلامية بالكويت الأعنف في تاريخ الصعود السياسي للحركة، والأهم من ذلك ما تحملهُ من دلالات عن موقف الرأي العام الخليجي من حركة الإخوان المسلمين، رغم أن هذه النتائج على مستوى البرلمان أكدت صعود شعبية المشروع الإسلامي ولكن من خلال تزكية طرفٍ إسلاميٍ آخر وهو تحالف التجمع السلفي في الكويت والذي حصدَ أكبر نتائج الفوز في انتخابات مايو 2008.

وقد يعترض البعض بقوله إن هذه النتائج إنما تمثل حالة قُطرية للكويت ولا تنسحب على جميع دول الخليج، غيرَ أنَّ المراقب الفكري والسياسي الذي يعيش في نسيج هذه المنطقة يُدرك تمامًا أن هذا التراجع في شعبية الإخوان ليس محصورًا في الحالة الكويتية حتى لو تحسن الأداء والموقف للكتلة البرلمانية في الكويت، فأعتقد أن الأزمة أكبر من ذلك، وعلى كل حال فهي قراءة تُحاول أن تُجيب على بعض الأسئلة المركزية في هذا الملف الحساس في صعود أو إخفاق المشروع الإسلامي في الخليج من خلال المشاركة الإخوانية.

ولأنني أدرك ما قد يُثيره هذا المقال من حساسيات لبعض الأخوة والأصدقاء وغيرهم من المجتمع الإخواني الممتد في الخليج أذكر بالأساسيات المهمة في تعاطي القلم الإسلامي في مثل هذه القضايا:

الأولى: إنني ومن يُشاركني في تيار النقد والمراجعة لمسيرة الفكر الإسلامي في الوطن العربي إجمالا وفي إقليم الخليج العربي خصوصًا لا نُعمم هذه الحالة النقدية على كل أبناء المدرسة الإخوانية، وإنما نستهدف الحالة التي تستحق النقد وتستوجب التصحيح بغض النظر عمن هم شخوصها أو هيئاتها.

الثانية: النقد للحالة السياسية للحركة الإسلامية في الخليج لا يُلغي الكفاح الماضي والحاضر من جيل النضال التربوي والاجتماعي والذي كان يهدف ولا يزال إلى التبشير بالأخلاق الإسلامية والإيمان بالرسالة فكرًا وبرنامجًا للمشروع الاجتماعي والفكري في هذا المجتمع خاصة إذا قرن هذا النضال وهذا الكفاح بالترفع عن القيود الحزبية والانفتاح على أبناء المجتمع الوطني وعامة الناس بروح الأخوة الشاملة.

الثالثة: إن الإيمان بمسئولية النقد والمراجعة والتصحيح واجب إسلامي شرعي أولا ثم وطني يندرجُ تحت الأصول الشرعية وقولِ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “لا خير فيكم إن لم تقولوها، ولا خير فينا إن لم نسمعها”.

ومع الأسف الشديد فإن بعض الشخصيات في المجال التربوي أو السياسي يضيق صدرها بأي نقد أو نُصح ضيقًا يكاد يتطابق مع ضيق أركان الحكم في النظام الرسمي العربي من الرأي الحُر.

ربما تشمل الحالة السياسية الراهنة في منطقة الخليج كل أقطاره بلا استثناء من حيث جموح المشروع الأمريكي منذ حرب الخليج 1991 حتى الآن وصعود الجموح الإقليمي الإيراني من طرف آخر واتحادهما في العراق، أو صراعهما الإعلامي السياسي وتفاعل هذه القضية على الصعيد الوطني في كل الأقطار، لكن الاختلاف يبرز في قضية الهامش السياسي المتاح للديمقراطية في هذه الدول خاصة في ميدان التعبير وحق إنشاء التجمعات الفكرية والنقابات المهنية، وإن كان هذا الهامش -وكما أؤكد دائمًا- لا يتجاوز نطاق المُحرمات الثلاث للإستراتيجية الأمريكية وهي: الديمقراطية المقاربة للشورى الإسلامية المُلزمة التي تختار نظام الحكم بصورة شاملة، والوجود الإستراتيجي الأمني لواشنطن وإدارة الثروة النفطية والمصالح الاقتصادية الكبرى لها، ويبقى ما دون ذلك تحكمه حالة المدافعة بين المطالب الشعبية وتصورات الحاكم.

هل الإخوان هم إخوان..؟!

لقد شهدت الساحة الشعبية وتوجهات القاعدة الإسلامية لفكر الإخوان تحولات كبيرة في العهد الأخير وصلت إلى حد التصفية السلمية الطوعية في بعض المناطق كوسط المملكة العربية السعودية وجزئيًا في بعض مناطقها الأخرى وبعض أقطار الخليج؛ أي أن المفاهيم الأساسية لمدرسة الإخوان لم تعد قائمة لدى هذه الجماعات ولكنها قررت بالفعل التحول نحو فكر التيار السلفي المحافظ في الغالب ولو بشيءٍ من الاختلاف في النظرة إلى قيم الحياة والمجتمع.

وهذا التحول إنما نقصد به أركان الفهم الأساسي لمدرسة الإخوان؛ لكونها أبرز مدرسة فكرية معاصرة تحتضن منهج أهل السنة وتنطلق للتبشير بالمشروع الإسلامي الحديث بغض النظر عن انحرافات هذا التنظيم أو ذلك التنظيم من أقطار الوطن العربي، ولذا فإن بعض الصراعات إنما تتم في أحيان كثيرة على مصالح حزبية وليس على خلافات فكرية مع التيار السلفي.

وأما في عُمان فإن الحركة لا تزال تعيش مرحلة انتقالية منذ خرجت السلطنة عن خطاب المواجهة مع الفكر الإخواني بعد الأزمة بين الدولة والحركة إثر معارضة شخصيات الحركة لزيارة شمعون بيريز إلى السلطنة، ومن ثمَّ فُجِّر الملف الأمني في وجهها ولكن الحركة -وفي موقف تاريخي- رفضت الانجرار للصراع المذهبي غير المعهود في عُمان بين الشافعية وأشقائهم الإباضية بعد أن طورت بعض الجهات الأمنية هذا الملف نحو هذا الاتجاه وهو الموقف الذي ضمن الاستقرار الاجتماعي وتجاوز تلك المرحلة الخطيرة في تاريخ عمان المعاصر، وتبقى مسألة نقد الحالة العمانية تستوجب بروزا يرصد لحالة مغيبة حتى الآن.

أما في الإمارات فقد برز لدى صفوفها وشبابها قدراتٌ منهجية تجديدية في التفكير ونقدية في التصور ولكن التعقب الأمني والوظيفي العنيف يحجب فُرص الاختبار لحجم الوعي وقدرات الإبداع بين المحافظة على أصالة الفكرة وتجديد الرؤيا والارتباط بالعمل الشعبي العام ومصالح الوطن والأمة الإستراتيجية.

وفي مملكة البحرين سجل الحضور السلفي صعودا أمام الإخوان وهيمنت حالة المخاطر الإقليمية، ووجود البحرين في بؤرة الصراع بين المحور الدولي والجموح الإقليمي على الحالة السياسية فيها، غير أنه بالإمكان أن نُسجل أن الحالة الإسلامية التنظيمية فشلت في أن تجمع بين حصانة الخطاب والعمل السياسي المناهض لاستهداف الهوية العربية الإسلامية وبين الانطلاق إلى ميدان الإصلاح السياسي في شراكة وفاعلية محسوسة تنتزع المصالح الاقتصادية والسياسية الوطنية من خلال المشاركة البرلماني

المزيد


لكَ… تُقرعُ الأجراسُ" / إبراهيم العسعس

أغسطس 25th, 2007 كتبها عبدالرحمن السمان نشر في , آفاق فكرية

مجلة العصر / "ما أحسنُ بيتٍ أعجبك في الشعر العربي؟"

السائل: أحدُ أعضاء لجنة الامتحان النِّهائي في دار العلوم في مصر.

الوقت: عشرينيات القرن الماضي.

المادة: اللغة العربية، والامتحان شفوي، هذا أيام كان هناك علم!

المسؤول: الطالب حسن البنا.

أجاب الطالب: "أحسنُ بيتٍ أعجبني قولُ طَرَفَةَ بنِ العبد في مُعلّـقـته:

إذا القومُ قالوا مَن فتى خِلتُ

أنَّني عُنيتُ فلم أَكْسَل ولم أتبلَّدِ

سُـرَّ الشيخُ السائلُ بالجواب، وعرف أنَّ هذا الطالب سيُضيف شيئاً للحياة. وقال له: "قُم يا فتى…هذا سؤال يُسأل للنابهين من الطلبة في كلِّ عام هنا، وفي الأزهر، فلم يُجب أحـدٌ بمثل ما أجبتَ إلا الشيخ محمد عبده، إنَّني أتنبأ لك بمستقبلٍ عظيم".

وبعد سنوات، صار الطالبُ: شيخاً، أسّس الشيخُ حسن البنا جماعةَ الإخوان المسلمين.

وبعد سنوات أخرى صارُ الشيخُ: إماماً، أصبح الإمامُ حسنُ البنا وجماعته ملءَ السمعِ والبصر !ورحم اللهُ الإمام.

وهكذا… فالعظمةُ تأبى إلاَّ أنْ تُعْلِن عن نفسها، ويأبى ما في النفس إلا أن يَظهر على فلـتات اللسان، إنْ خيراً وإنْ شراً.

إنَّ النَّفس الأبية إذا سمعت صيحةً لا تقفُ لتسأل، من ينادي؟ ومن المَدعو؟ بل تطيرُ إلى الصوت وفي حِسِّها أنها المعنيَّة لا غيرها! وكأنَّه لم يسمع الصوتَ أحدٌ إلا هي، وكأنَّه ما على الأرض أحدٌ إلا هي!

روى البخاريُّ رحمهُ اللهُ عن أنس رضي الله عنه قال: "… فَـزِع أهلُ المدينة ذات ليلةٍ، فانطلق ناسٌ قِـبَـلَ الصوتِ، فـتلقاهم رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلم "راجعاً وقـد سبقهم إلى الصوت"… وهو يقول: "لم تُراعوا، لم تُراعوا "الحديث" (البخاري / الجهاد / 82 وفي غيره، ورواه غيره).

لقد تعوَّد أهلُ الحديث أن يذكروا هذا الحديثَ في باب شجاعته صلَّى الله عليه وسلم، والأمرُ كذلك، ولكنِّي أشير إلى صفةٍ أخرى عظيمةٍ فيه صلَّى الله عليه وسلم، تلك المسارعةُ والمبادرةُ إلى الفعل دون انتظارٍ لأحدٍ أنْ يقوم به، أو الـتواكل على مبادرة الآخرين: (لعلهم يسارعون ويريحونني!) لم يُفكِّر على هذا النحو، بل إنَّك لترى أنَّه صلَّى الله عليه وسلم يُفكِّر ويتحرك، وكأنه لا يوجد في المدينة سواه! لاحِظ قولَ الراوي (راجعاً وقد سبقهم إلى الصوت)!

وللذين يُفكِّرون، ويتساءلون: ما الذي فعلَه رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلم فيمن حوله! وكيف كان جيلُ الصحابةِ مُتفوقاً ذلك التفوق الذي لم يتكرر بذلك العدد، وبتلك الفاعلية! أقول: إنها تلك الفاعلية الـتي صاغها صلى الله عليه وسلم فيمن حوله، حتى وصلَ كلُّ واحدٍ منهم إلى الاعتقاد بأنَّ أيَّ غفلةٍ أو سِـنَةٍ منه تعني أن يؤتى الإسلام من قِـبَله، وتعـني أن تُصاب الأمَّةُ بسببه، هكذا فهموا عنه صلَّى اللهُ عليه وسلم قولَه: "إنك على ثغـرة فلا يُـؤتـينَّ من قِبَلِك".

وإنه ذلك الخطاب الذي أزال الـتَّـبلُّد والـتَّـكاسل من نفوسهم، وزرع مكان السلبية والـتحلل من الالـتـزام، صفةَ الإيجابية والالـتـزام.

هذا هو الذي فعله صلى الله عليه وسلم، فصارت الفاعليةُ ظاهرةً اجتماعية، ونمطَ حياةٍ في الج

المزيد


المنصّرون.. ذئابٌ في جلود نعاج

أغسطس 10th, 2007 كتبها عبدالرحمن السمان نشر في , آفاق فكرية

الكاتب/أحمد ابوزيد
المصدر/موقع الألوكة
مُجرمون مُخرّبون يعيثون في الأرض فسادًا باسم المسيح
المنصّرون.. ذئابٌ في جلود نعاج 
• يستغلّون آلامَ البشر أبشعَ استغلال، ويتخذون من التطبيب والعلاج وسيلةً لنشر سمومهم، وحملاتُهم تستهدفُ الأقلياتِ والأكثريات المسلمةَ على السواء. 

مُجرمون مُخرّبون يعيثون في الأرض فسادًا باسم المسيح
المنصّرون.. ذئابٌ في جلود نعاج 
•     •     •     •
من يسمع عن التنصير وإرسالياته التي تجوب العالم شرقًا وغربًا، ومؤسساته وهيئاته المنتشرة في كل مكان، ويقرأ الأرقام التي ترد عنه، يدرك لأول وهلة أنه خطر داهم، وأن أخطاره قد وصلت إلى ديار الإسلام ذاتها، سعيًا لضرب الهوية الإسلامية، وتشويه عقيدة الإسلام وإخراج المسلمين من دينهم الحق. 
ففي العالم الإسلامي اليوم جيوش جرارة مرئية وخفية من أولئك الذين يدعون بلا خجل أنهم (مبشرون)، وهم في الحقيقة ضالون مضلون، والحملات التنصيرية الشرسة على التجمعات الإسلامية -سواء الأقليات منها أو الأكثريات- تزداد يوما بعد يوم، وتطور نفسها، وتزيد من أعداد العاملين فيها، وتستخدم من الوسائل والأساليب التي تمكنها من نشر سمومها، ما لا يستخدمه دعاةُ الإسلام في نشر الحق الذي يدعون إليه، فالمنصرون اليوم يسخّرون -لتحقيق أهدافهم- وسائلَ الإعلام كافة، من نشراتٍ وكتبٍ وصحف وإذاعة وتلفزيون وفيديو وأقمار صناعية وشبكة إنترنت، ويملكون وسائل الانتقال السريعة من سيارات وطائرات و(لنشات) وأساطيل بحرية ومطارات، في كثير من الدول، هذا بالإضافة إلى الدعم المالي الكبير الذي يصلهم من مجلس الكنائس العالمي ودول المسيحية وأغنيائها.
• لغة الأرقام:  
ويكفي أن نعرض بعض الأرقام التي وقعت تحت أيدينا عن التنصير خلال السنوات الماضية، لكي يدرك القارئُ المسلم فداحةَ هذا النشاط التخريبي المدمر، الذي يسعى لمحو الهوية الإسلامية وتنصير المسلمين، أو إخراجهم من الإسلام وتركهم بلا دين. 
فالأرقام تبين أن 17 مليونَ منصرٍ يعملون ليل نهار لإطفاء نور الله في الأرض وَفق استراتيجيات بعيدة المدى، ولديهم ميزانياتٌ فلكية ينفقون منها بلا حساب. وأنهم يستهدفون جميع المسلمين في شتى أنحاء المعمورة، ولا يُستثنى من ذلك العرب.  
وأن جيشا من المنصرين قوامه 112 ألف منصر يستهدف تحويل إفريقيا كلها إلى قارة صليبية.  
وأن 50 إذاعة تنصيرية في إفريقيا تبث برامجها بمختلف اللغات واللهجات.  
وأن في إفريقيا 500 مدرسة لاهوتية و20 ألف معهد كنسي، لتخريج المنصرين والقسيسين.  
وأن هناك 500 منظمة تنصيرية تعمل في ليبيريا، ومثلها في ماليزيا، و1500 منظمة تعمل في بنجلاديش، تحت شعار هيئات الإغاثة الدولية وجمعيات حقوق الإنسان.  
وأن بالشرق الأوسط 1300 منصر متفرغ معظمهم يُديرون مراكزَ طبية.  
وأن دائرة تنصير الشعوب في الفاتيكان تشرف على 58 ألف مدرسة و26 ألف معهد وجامعة في أنحاء العالم. 
وأن الدعم المالي للتنصير وصل إلى 151 مليار دولار أمريكي عام 1989م، وهذا المبلغ لعله قد تضاعف خلال السنوات الأخيرة.  
وأن المنصرين يشرفون على تعليم 5 مليون طالب وطالبة في أنحاء إفريقيا.  
وأن عدد أجهزة الكمبيوتر التي تستغلها المنظماتُ المسيحية في خدمة أعمال التنصير تبلغ 45 مليون جهاز.  
وأن محطات الإذاعة والتلفزيون المسيحية في العالم تبلغ 1900 محطة.  
فهذه الأرقام هي ما ظهر لنا وما عرفناه، أما ما خفي منها فهو أعظم، وهي تدق ناقوس الخطر، وتبين فداحة هذا المخطط الرهيب، الذي يتوغل في كل بقاع الأرض بإرسالياته ومنصريه، وهدفه الأوحد ليس اليهودية ولا الهندوسية ولا البوذية، ولكن الإسلام سعيا لضربه والوقوف في وجه دعوته وتشويه صورته. 
فالمنصرون اليوم لا يدخلون البلاد والمناطق الإسلامية في صورة قساوسة يحملون الأناجيل في أيديهم ويدعون الناس إليها، فهذه صورة تقليدية ثبت إخفاقها، ولكنهم يدخلون في صورة أطباء ومعلمين ومهندسين وخبراء، ويستغلون الظروف الاجتماعية للمسلمين من فقر وجهل وكوارث طبيعية، ويدخلون بإمكانيات ضخمة، فيبنون المدارس والمستشفيات والملاجئ ودور الرعاية ويقدمون الإعانات المادية من غذاء وكساء ودواء، والمقابل لكل هذا هو التنصير أو على الأقل التخلي عن عقيدة الإسلام.  
إنهم يدخلون كذئاب في جلود نعاج.. ظاهرهم فيه الرحمة والعطف والشفقة، وباطنهم من قبله العذاب.. وأي عذاب أشد مما يخرج المرء من دينه الحق ليدخله في دين باطل ومحرف؟!  
إن هؤلاء الذئاب يستغلون آلام الإنسانية أبشعَ استغلال، حين يتخذون من التطبيب والعلاج وسيلةً لنشر سمومهم، عملا بالقاعدة التي وضعها زعماؤهم: "حينما يوجد بشر يوجد مرضى، وحينما يوجد مرضى تكون الحاجة إلى الطبيب ماسة، وهي الفرصة الذهبية لإدخال الخرفان إلى الحظيرة المقدسة". 
ولقد بلغت الخسة والدناءة في بعض المستشفيات التنصيرية، أنهم لا يعالجون المريض إلا بعد أن يركع للصليب! أو يعترف على الأقل بأن شفائه في يد المسيح!
• قطع صلة المسلمين بالله: 
وإذا بحثنا عن أهدافهم التي يعملون من أجلها منذ عشرات السنين، نجد أنهم يسعون إلى هدف أساسي في حربهم للإسلام، وهو قطع صلة المسلمين بالله، ففي مؤتمر القدس التنصيري، الذي عقد عام 1928م إبان الاحتلال البريطاني لفلسطين، ألقى القس زويمر، كبير المنصرين في هذا الوقت –الذي رأس المؤتمر ودعا إليه– خطبة مشهورة، حدد فيها أغراضَ التنصير، وظهر منها كيف أن الكنيسة تتعاون مع الاستعمار لمحاربة الإسلام، ومما قاله في هذه الخطبة:  
"أيها الأبطال والزملاء، الذين كتب لهم الجهاد في سبيل المسيحية واستعمارها لبلاد الإسلام، فأحاطتهم عناية الرب بالتوفيق الجليل المقدس، لقد أديتم الرسالة التي نيطت بكم أحسن أداء، ووفقتم لها أسمى التوفيق، وإن كان يخيل إليّ أنه مع إتمامكم العمل على أكمل الوجوه لم يفطن بعضكم إلى الغاية الأساسية فيه.  
إنني أقركم على أن الذين دخلوا من المسلمين في حظيرة المسيحية لم يكونوا مسلمين حقيقيين لقد كانوا أحد ثلاثة:  
1- إما صغير لم يكن له من أهله ما يعرفه ما الإسلام.  
2- أو رجل مستخف بالأديان، لا يبغي غير الحصول على قوت يومه، وقد اشتد به الفقر وعزت عليه لقمة العيش.  
3- وآخر يبغي الوصول إلى غاية من الغايات الشخصية.  
ولكن مهمة التبشير، التي ندبتكم دول المسيحية للقيام بها في البلاد المحمدية ليست إدخال المسلمين في المسيحية، فإن في هذا هداية لهم وتكريما، وإنما مهمتكم أن تخرجوا المسلم من الإسلام ليصبح مخلوقا لا صلة له بالله، ومن ثم فلا صلة تربطه بالأخلاق التي تعتمد عليها الأمم في حياتها، وبذلك تكونون أنتم بعملكم هذا طليعة الفتح الاستعماري في الممالك الإسلامية، وهذا ما قمتم به خلال هذه الأعوام المئة السالفة خير قيام، وهذا ما أهنئكم عليه وتهنئكم عليه المسيحية والمسيحيون جميعا". 
ثم يقول: "لقد سيطرنا منذ ثلث القرن التاسع عشر على جميع برامج التعليم في الممالك الإسلامية، ونشرنا فيها مكامن التبشير والكنائس والجمعيات والمدارس المسيحية الكثيرة التي تهيمن عليها الدول الأوروبية والأمريكية.  
ولقد أعددتم في ديار الإسلام شبابا لا يعرف الصلة بالله، ولا يريد أن يعرفها وأخرجتم المسلم من الإسلام، ولم تدخلوه في المسيحية، ومن ثم جاء النشء طبقا لما أراده الاستعمار: لا يهتم للعظائم، ويحب الراحة والكسل، ولا يصرف همه في دنياه إلا للشهوات. إن مهمتكم قد تمت على أكمل الوجوه، وانتهيتم إلى خير النتائج وباركتكم المسيحية، ورضي عنكم الاستعمار، فاستمروا فقد أصبحتم بفضل جهادكم موضع بركات الرب". 
• نشر الفساد باسم المسيح: 
وهذا الخطاب الذي ألقاه زويمر يكشف العديد من أسرار التنصير وخباياه وأهدافه الخبيثة في العالم الإسلامي، وهي أهداف تجعل المرء يصب اللعنات على هؤلاء المجرمين المخربين، الذين يعيثون في الأرض فسادا باسم المسيحية والسيد المسيح، وهو بريء من كل ما يفعلوه. 
إن زويمر يوضح لمن يخطب فيهم من المنصرين، أن ما يقومون به في البلاد الإسلامية سعيا لاستعمارها باسم المسيحية، إنما هو جهاد تحيطه عناية الرب.  
ويعود ليؤكد لهم عدم فطنتهم للغاية الأساسية للتنصير، فليست الغاية إدخال المسلمين في المسيحية؛ لأن في ذلك هداية لهم وتكريما، وإنما الغاية هي: إخراج المسلم من الإسلام وتركه بلا دين، ليصبح مخلوقا لا صلة له بالله، ومن ثم فلا صلة تربطه بالأخلاق التي تعتمد عليها الأمم في حياتها. 
وفي مؤتمر آخر يقول زويمر موجها خطابه إلى جموع المنصرين: "لتكن لكم نعومة الأفعى في الزحف إلى قلوب المسلمين، إن المسلم لا يغير دينه بسهولة؛ لذلك كان لا بد من تخديره قبل فتح بطنه كما يفعل الجراحون..أنا لا أهتم بالمسلم كإنسان، إنه لا يستحق شرف الانتساب إلى المسيح، فلنغرقه بالشهوات، ولنطلق لغرائزه العنان حتى يصبح مسخا لا يصلح لأي شيء". 
فهل هناك هدف إجرامي أكبر من هذا.. أن يتم تشكيك المسلم في عقيدته حتى يتخلى عنها ويصبح بلا دين؟! 
ويؤكد زويمر في خطابه أن الذين دخلوا حظيرة المسيحية من المسلمين لم يكونوا مسلمين حقيقيين فهم: إما صغير لم يجد من أهله من يعرّفه حقيقة الإسلام، أو رجل مستخف بالأديان، لا يبغي غير الحصول على قوت يومه، وقد اشتد به الفقر وعزت عليه لقمة العيش فخضع للمنصرين وانساق وراء دعوتهم، بعد أن قدموا له الطعام والشراب والكساء والدواء وأغروه بالمال، أو رجل يبغي الوصول إلى غاية من الغايات الشخصية ولا يجد هذه الغاية إلا في ترك دينه والاستجابة لغيره من الدعوات الهدامة.
• استغلال آلام البشر:
والحق أن المنصرين قد نجحوا نجاحا كبيرا مع هذه العناصر الثلاثة في العديد من المناطق الإسلامية، وخاصة تلك التي تعاني الفقر والجهل والمرض والمجاعات والكوارث، حيث يغزوها المنصرون بإمكانيات ضخمة فيقدمون كل متطلبات الحياة، ويبنون المستشفيات والملاجئ والمدارس ودور الرعاية. 
فالأرقام تذكر: أنه تم تنصير ربع مليون مسلم في إندونيسيا خلال عشرين عاما فقط، وأن 300 ألف مسلم قد تقبلوا المسيحية في عدد من البلاد الإفريقية، وأن عدد المسلمين في ملاوي قد انخفض من 70% إلى 30% فقط، بسبب نشاط التنصير، وأن المنصرين قاموا عام 1985م بتنصير 8 آلاف شخص في إقليم السند بالهند.  
فأين الحق ورجاله؟.. أين الدعوة الإسلامية ودعاتها ومؤسساتها مما يحدث للمسلمين في هذه الدول وغيرها؟ 
وأين هيئات الإغاثة الإسلامية؟ أين هؤلاء جميعا كي يقفوا في وجه هذا التخريب المسمى بالتنصير والذي يسعى لمحاربة الإسلام؟ 
إن الدعوة الإسلامية اليوم في حاجة ماسة إلى الدعاة المخلصين وإلى الأموال الطائلة لتحقيق هذا الغرض.
• السيطرة على التعليم:  
وينتقل زويمر إلى نقطة أخرى في خطابه، وهي سعي المنصرين للسيطرة على التعليم في البلدان الإسلامية، باعتبار أن التعليم وسيلة من أخطر الوسائل التي يمكن عن طريقها زعزعة العقائد وتنصير المسلمين. فقد حرَص المنصرون كل الحرص على اختراق مجال التعليم في البلدان التي يعملون فيها، وإنشاء المدارس الخاصة بهم، وركزوا نشاطهم

المزيد


المتمسلمون

يوليو 10th, 2007 كتبها عبدالرحمن السمان نشر في , آفاق فكرية

 المصدر/موقع المسلم

الكاتب/فهد الحميزي

لما ذكر مؤرخُ الإسلام الحافظُ الإمام الذهبي أنواعَ التواريخ التي تناولت مختلف طبقات المجتمع المسلم والتي أوصلها إلى أربعين تاريخاً حتى إنه ذكر منها تاريخ عقلاء المجانين والموسوسين والمنجمين والسحرة.. ليته - رحمه الله - ذكر منها تاريخ أولئك الخونة الذين سوَّدوا صفحاتِ التاريخ بمواقفهم وخيانتهم..

هم لم يسقطوا ملوكاً فحسب بل أسقطوا شعوباً وأمماً وخلافات, ومع الأسف فإن العلماء وسابِرو التاريخ وقتها أصيبوا (بفزع سياسي) فتولد عندهم خوفٌ من الخوض في مثل هذه القضايا الخطيرة مما جعلها تصبح حبيسة الأذهان. ومن تكلم من العلماء حينها وصدع بكلمة الحق أصبح يترقب (ضيوف الفجر) ممن كابدوا الليل لا بطُولِ قيام وإنما بِخُبثِ طوية وفساد معتقَد!!

وقد حدثنا التاريخُ كثيراً عن أولئك الخونة (المتمسلمين)؛ حدثنا عن عبد الله بن سبأ لما كان يعمل في الخفاء ويُحدث الفتنة كما في حادثة الجمل, وبالثورة والتأليب كما وقع منه حيال عثمان بن عفان - رضي الله عنه -..

هم لم يسقطوا ملوكاً فحسب بل أسقطوا شعوباً وأمماً وخلافات, ومع الأسف فإن العلماء وسابِرو التاريخ وقتها أصيبوا (بفزع سياسي) فتولد عندهم خوفٌ من الخوض في مثل هذه القضايا الخطيرة مما جعلها تصبح حبيسة الأذهان

حدثنا التاريخُ عن عبيد الله بن يزيد قاتل الحسين..
حدثنا التاريخ عن أبي دؤاد المعتزلي قاتل القضاة والعلماء..
حدثنا التاريخ عن أبي طاهر القرمطي منتهك حرمة المسجد الحرام..
حدثنا التاريخ عن الحسين الحلاج صاحب البدعة المكفرة والقول بالحلول والاتحاد..
وحدثنا التاريخ عن ابن العلقمي الوزير المنافق صاحب الرسائل العلقمية الخائنة لهولاكو…!!

إن التاريخ القديم كما حدثنا عن أولئك الخونة (المتمسلمين) في الحقبة الماضية, فقد حدثنا التاريخ الحديثُ عن أسماءٍ سوداءَ وعملاءَ مرجفين وطوابيرَ مختلفةِ الأجناس والتوجهات للإطاحة بدول عربية تنتمي إلى الإسلام ولو بالظاهر أمثال حسني الزعيم, وأديب الشيشكلي, وسامي الحناوي, وأسعد طلس - عميل بريطانيا الوفي -، ونوري السعيد، وأحمد خان قائد اتجاه التغريب في الهند ومؤسس المدرسة الفكرية التغريبية الذي دعا إلى تقليد الحضارة الغربية وإلى تفسير الإسلام تفسيراً مطابقاً لما وصلت إليه المدنية الحديثة في آخر القرن التاسع عشر. وغير هؤلاء الكثير الكثير ممن تعرفهم في لحن

المزيد


من وجوه وسطية الإسلام في معاملة المخالف / عبد الرزاق مرزوق

يوليو 9th, 2007 كتبها عبدالرحمن السمان نشر في , آفاق فكرية

مجلة العصر / وبعد، فقد صار الأمن الشامل أعز مطلوب وأنفسه لدى شعوب العالم وحكامه سواء، وزاده عزازة ونفاسة تشكل الفتن السالبة للسلام في كل مكان من الأرض، وتعقدها وهيمنتها حتى صارت أشبه بالداء الذي لا يكاد الطبيب يكتشف دواءه ويستعمله لصده حتى يستمرئه ويتخذه غذاء جديدا يسرع نموه ويرفع خطورته درجات، وقد قيل:

مَن لِي بِأَمْنٍ يَقِينِي صَوْلَةَ الْفِتَنِ

أَجْزِيهِ مِنْ حُرِّ مَالِي بَاهِضَ الثَّمَنِ

عَزَّ الدَّوَاءُ وَزَادَ الدَّاءَ سَيْطَرَةً

فُقْدَانُ رُشْدٍ وَبَذْرُ الْوَرْدِ فِي الدِّمَنِ

ولا يخفى أن موارد الأمن أصناف كثيرة، وسبل بثه وإشاعته طرائق عديدة، ومن حصرها في الحبس والتطويق، وتشديد الرقابة على الأبدان لم يزل عاجزا عن صد الفتن والأخطار السالبة لأمان الأفراد والمجتمعات، ولم تزل هذه الفتن تتلون وتتشكل على نحو يعجز التصور والخيال .

ومن تلك الموارد: "الأمن الفكري"، الكفيل بحسم مادة الخطر الأولى وهي في الذهن قبل أن تتقد ويغلي منها الدم والدماغ؛ وتغشى الجوارح فتصير عنفا عارما وإرهابا مستطيرا .

ومن سبل إفشاء الأمن الفكري، تحصين معتقد المسلم، وكشف شبه المائلين عن منهاجه القويم، فإن أكثف حاجب عن إبصار الحق الجهل، وهو شر باعث على الغلو والابتداع .

وكل شعائر الإسلام الفكرية والسلوكية جلية المعالم، مصونة بمنهاج وسط، يعصم المستمسك به من الاعتداء ومجاوزة حد الحق المرسوم.

* من دلالات الوسطية:

ومن معاني الوسطية العدل، وهو الذي يدل عليه قوله تعالى: "وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا"، نص على هذا الإمام الدامغاني في كتابه (إصلاح الوجوه والنظائر) [1].

وقال الراغب الأصفهاني في بيان معنى الوسط [2]: "ما له طرفان مذمومان، فيستعمل استعمال القصد المصون عن الإفراط والتفريط، فيمدح به نحو السواء والعدل والنصَف، نحو (وكذلك جعلناكم أمة وسطا)، وعلى ذلك قوله تعالى: (قال أوسطهم [3]) [4]".

وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً ° وَدَاعِياً إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيـراً) [5].

وفي التوراة: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَحِرْزاً لِلْأُمِّيِّينَ، أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي، سَمَّيْتُكَ الْمُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلاَ غَلِيظٍ وَلاَ سَخَّابٍ [6] فِي الأَسْوَاقِ، وَلاَ يَدْفَعُ السَّيِّئَةَ بِالسَّيِّئَةِ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ، وَلَن يَقْبِضَهُ اللهُ حَتَّى يُتِمَّ بِهِ الْمِلَّةَ العَوْجَاءَ بِأَن يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، فَيَفْتَحُ بِهَا أَعْيُناً عُمْياً، وَآذَاناً صُمّاً، وَقُلُوباً غُلْفاً ) [7].

وليس فوق جلال هذه الخصال السنية جلال، ولا فوق جمالها من جمال ؛ فضلا عن كمال استوائها وتمام اعتدالها، ومما قاله الأديب الروسي تولستوي في وصف صاحبها صلى الله عليه وسلم: ". . . ويكفيه فخرا أنه أهدى أمة برمتها إلى نور الحق، وجعلها تجنح إلى السكينة والسلام، وتؤثر عيشة الزهد، ومنعها من سفك الدماء وتقديم الضحايا البشرية، وفتح لها طريق الرقي والمدنية، وهو عمل عظيم لا يقدم عليه إلا شخص أوتي قوة، ورجل مثله جدير بالاحترام والإجلال" [8].

ومنهاج دين هذه خصال نبيه المبعوث بتبليغه للناس كافة هو ما يرنو إليه اليوم عالم يمور بالفتن مورا، أليس حديث العقلاء اليوم في كل المحافل وعلى كل المنابر في الحرب وفي السلم إلا عن الصفح والعفو والتسامح والتصالح بحثا عن الطمأنينة والسكينة والأمان ؟ . . .، فدونهم سيرة هذا النبي الخالدة الشاهدة على أنه رحمة للعالمين حقا وصدقا . فوسطية الإسلام في أصله ومنهاج دعوته أصيلة جلية، وإنما خفيت ودعت الحاجة إلى بيانها، وذكر وجوهها وخصائصها أمران اثنان:

الأول: دعوات مغرضة تحمل كل مسلم ما يقع منسوبا إلى الإسلام في العالم اليوم من عنف وعدوان، وتفتش عن كل شبهة واهية وذريعة خاوية تلجؤه بها إلى الحرج والاعتقاد أن مرد ذلك إلى نفس تعلقه بدينه وحرصه عليه، ليسعى ـ دفعا لحرج التهمة بالتطرف والإرهاب ـ في الانكفاء، والتحلل من أجمل دين وأجله وأرقاه، وقد قيل:

يَـبْغِـي سِـوَايَ فَهَلْ أُحَمَّـلُ وِزْرَهُ ؟ . .

شَطَطـاً وَأُلْـبَـسُ جُـبَّـةَ الْمُتَطَـرِّفِ . . !

وتَصِـيـرُ وَصْمـاً لاَزِمـاً وَذَرِيعَـةً

تُرْسِـي الْمِهَـاد لِصَوْلَـةِ الْمُـتَـعَسِّـفِ ؟ ! . .

الثاني: ما غلب من الجهل بالدين، وفشا من الغلو في دعوة الناس إلى الإسلام لدى قوم أحلوا أنفسهم محل العلماء واتخذهم العامة رؤوسا ومراجع للفتوى، وقد عد الإمام الشاطبي رحمه الله هذا من البدع في الدين؛ قال: "وكذلك تقديم الجهال على العلماء، . . فإن جعل الجاهل في موضع العالم حتى يصير مفتيا في الدين، ومعمولا بقوله في الأموال والدماء والأبضاع وغيرها محرم في الدين، . . وهو بدعة أو سبب البدعة، وهو الذي بينه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ". . حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوسا جهالا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا" [9]، وإنما ضلوا لأنهم أفتوا بالرأي إذ ليس عندهم علم" [10].

وما اشتمل عليه هذا الحديث من الترهيب هو الذي حمل الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز على الكتابة إلى الفقيه الجليل أبي بكر بن حز

المزيد


النقد الذاتي.. المهمة الغائبة في ثقافة الحركة الإسلامية / السيد أبو داود

يونيو 22nd, 2007 كتبها عبدالرحمن السمان نشر في , آفاق فكرية

مفكرة الإسلام: لا يماري أحد من أهل الرأي في مجتمعاتنا العربية والإسلامية فيما قدمته الصحوة الإسلامية في بلادنا العربية في العصر الحديث من ثقافة متعددة الجوانب والأطياف والمجالات والأبعاد، أضافت بها الكثير من الانضباط والأصالة للساحة الفكرية العربية التي كادت العلمانية أن تختطفها لحسابها.

وقد مثل العطاء الثقافي الإسلامي قيمة مضافة لواقعنا المعاصر، وكان كابحاً لتيار العلمنة والتغريب، ولولاه لتغير وجه الثقافة العربية تماماً.

ولكن، ورغم ذلك، فإن ثقافة الحركة الإسلامية تعاني أشد المعاناة من ضآلة وضعف الإسهامات الفكرية في مجال النقد الذاتي، أي أن تنقد الصحوة نفسها بنفسها، عن طريق قيام أفراد منها بتقديم رؤى ثقافية وفكرية تنطوي على نقد للجوانب السياسية والثقافية والفكرية للصحوة، ليس من أجل التشويه والإساءة، وإنما من أجل محاولة تدارك هذه الأخطاء والعيوب، وإصلاحها، حتى تبقى الصحوة وثقافتها عند الظن بها، فاعلة ومؤثرة وناجحة وقائدة لمجتمعاتها باستمرار.

وفلسفة النقد الذاتي تفرق بين الإسلام كدين وشريعة، وبين الثقافة الإسلامية والفكر الإسلامي والعمل السياسي الإسلامي. فالإسلام كدين ثابت لا يتغير ولا يجوز عليه النقد من أبنائه والمؤمنين به، والسبب في ذلك أن القرآن وحي معصوم لا يأتيه الباطل أبدًا، وإنما هو كلام الله إلى البشر أجمعين، الذي لن يأتي بعده كلام إلهي آخر.

كما أن السنة النبوية الصحيحة (أي التي صح ثبوتها ونسبتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم) لا يمكن نقدها هي الأخرى لأنها من عند الله، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه).

لكن الثقافة الإسلامية والفكر الإسلامي يجوز في حقهما النقد، لأنهما قائمان على فهم آحاد المسلمين للإسلام، حيث يمكن لهذا الفهم أن يكون صحيحاً أو خاطئاً، فهو في النهاية فكر بشري غير معصوم.

وكذلك فإن العطاء السياسي لجماعات المسلمين السياسية، يحتمل الخطأ والصواب، لأنه ناتج عن تجربة بشرية تحاول العمل بروح الإسلام على الأرض، من خلال تطبيق برامج ورؤى سياسية واقتصادية واجتماعية.

ودلت التجارب على أن الجماعات السياسية المسلمة تخطئ وتصيب في عملها السياسي، وبالتالي فهي ليست محصنة ضد النقد، بل قد يكون النقد هو دليلها لتطوير نفسها، وتعديل أخطائها، وبالتالي مواجهة خصومها بكفاءة أكبر.

النقد سمة المجتمعات المتحضرة

وهكذا، فإن النقد الذاتي ظاهرة صحية في المؤسسات والمجتمعات المتحضرة، بل هو جزء أساسي من عملية التطوير والتقويم المستمر، وطالما كان الأمر كذلك، فما أحوج الحركة الإسلامية إلى ثقافة النقد الذاتي، من أجل ترشيدها، وتخليصها من أمراضها. فالحركة الإسلامية محاصرة، محلياً وإقليمياً ودولياً، وتوجه إليها سهام النقد ليل نهار، قاصدة تشويهها أمام شعوبها وأمام العالم، ومن شأن النقد الذاتي لها أن يبصرها بعيوبها، ويشير لها إلى الطريق الصحيح، من أجل أن تلتحم أكثر بشعوبها، ومن أجل أن تنجو من المؤامرات والمكائد.

وطالما أن السياسة هي محصلة الثقافة والفكر، بمعنى أن الإنسان يقتنع أولاً بالاتجاه الفكري، ثم يختار تأسيساً عليه الاتجاه الثقافي والسياسي، فإن النقد الذاتي في الحركة الإسلامية المعاصرة ينبغي أن يتوجه في الأساس ناحية الاتجاه الفكري والثقافي، ثم بعد ذلك يتوجه للحركة والسياسة.

وقد مارس الفكر العربي الحديث النقد الذاتي في اللحظات العصيبة والمنعطفات التاريخية الكبرى؛ حيث بدأت هذه العملية في الفكر العربي الحديث في لحظة الاحتكاك مع الاستعمار، الذي جاء مدججا بالمعرفة والعلم والتقدم الحضاري، الأمر الذي دفع أصحاب الفكر والعقل والعلم إلى عملية صارمة من النقد الذاتي الحضاري، عندما وجدوا أن الأمة تواجه حملة نابليون، بمدافعها وبوارجها الحديثة التي تقف في عرض البحر ثم تحول مدننا إلى لهب وتراب وخراب، تواجه ذلك بأسلحة ووسائل بدائية، وبالصيحة الشهيرة " يا خفي الألطاف، نجنا مما نخاف".

منذ هذه اللحظة بدأ نفر من مفكري الأمة ومثقفيها في نقد الذات العربية وأمراضها التي أوصلتنا إلى هذه الدرجة من الضعف والهوان، وقد أسهمت هذه الكتابات إسهامات مهمة في مجال إدراك الأمة لحقيقة مأزقها التاريخي والحضاري، ومعرفة نقاط الضعف التي أدت بها إلى الوقوع في وهدة الانحطاط وا

المزيد