حصار غزّة


الترف

أكتوبر 4th, 2008 كتبها عبدالرحمن السمان نشر في , خطب ومحاضرات

للشيخ سعد البريك

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا ند ولا شبيه ولا مثيل ولا نظير ليس كمثله شيء وهو السميع البصير وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا ند ولا شبيه ولا مثيل ولا نظير ليس كمثله شيء وهو السميع البصير وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده وعبد ربه مخلصاً حتى أتاه اليقين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين أما بعد فيا عباد الله اتقوا الله تعالى حق التقوى يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوماً لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور.

معاشر المؤمنين :
لقد أخذ الترف والتعلق بزينة الحياة الدنيا وشهوتها بألـبـــاب أفراد من الأمة واستحوذا على عقولهم إلى درجة أنهم أصبحوا ينظرون إلى تعاليم الإسلام وأحكامه على أنها تفسد عليهم مـتـعـتـهـم وبهجتهم بها فاتخذوا كتاب ربهم وسنة نبيهم وراءهم ظهرياً وتولوا وأعرضوا حتى وصل الأمر ببعضهم إلى ترك الطاعة بل ومبارزة الله تعالى بالمعاصي.
حقيقة الترف :
جاء في القاموس : التُّرْفَةُ: النعمة والطعام الطـيــب، والشيء الظريف تخص به صاحبك ، والمترف كمُكرمَ: هو المتروك يصنع ما يشاء لا يُمنَع، والمُتَنَعَّمُ لا يمنع من تنعمه (القاموس المحيط 1026).والترف هو مجاوزة حد الاعتدال بنعمة أو الإكثار من النعم التي يحصل بها الترف ( الترف للأستاذ / ناصر بن عمار، ص 7 ).والمترف هو من أبطـــرته النعمة وسعة العيش وألهته عن طاعة الله ، فتراه حريصاً على زيادة أحواله وعوائده ساعٍ إلى بلوغ الغاية في حاجات الذات الحسية من مأكل ومشرب ومسكن ومركب .
موقف الإسلام من الترف :
وقد ورد ذكر الترف في ثمانية مواضع من كتاب الله كلها في مقام الذم له والتحذير منه لأن الترف والتكذيب بآيات الله غالباً ما يقترنان ،كما في قوله تعالى { وكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إنَّا وجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وإنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّــقْــتَدُونَ }وكما في قوله عن سبب عذاب وشقاء أصحاب الشِّمال { إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ* وََكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ * وَكَانُوا يَقُولُونَ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ } .
وورد عدد من الأحاديث النبوية تنهى عن الترف وتحذر من تعلُّق القلب به ، ومن غلو الإنسان في الانغماس في متع الحياة وملذاتهــا، وتحث على تركه والانصراف عنه إلى مـا هو خير في الدارين.عن عمرو بن عوف رضي الله عنه  أن النبي صلى الله عليه وسلم  قال :” فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم “. رواه مسلم ( 4/2274 ). وعن عبد الله بن عمرورضي الله عنه  أن النبي صلى الله عليه وسلم  قال “: كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا ما لم يخالطه إسراف أو مخيلة “. رواه ابن ماجة وحسنه الألباني في صحيح الجامع (2/830) .
إنَّ دعوة الإسلام إلى ذم الترف والتحذير منه لا تعني تحريم ما أحل الله من النعم والطيبات ، وإنما المراد الاقتصاد في الإنفاق وعدم تعلق القلب بها والركون إليها. عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه  أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال : “إن الله جميل يحب الجمال، ويحب أن يرى أثر نعمته على عبده ويبغض البؤس والتباؤس “. رواه البيهقي في الشعب وصححه الألباني في صحيح الجامع (1/359) .وقال صلى الله عليه وسلم  لوالد أبي الأحوص: “فإذا آتاك الله مالاً فليُرَ أثر نعمة الله عليك وكرامته ” رواه أبو داود وصححه الألباني رحمه الله في صحيح الجامع (1/284 ).وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم  :” اللهم أصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي “.رواه مسلم (4/2087) .     
حال المترفين :
ولكن مِنَ المترفين مَنْ لم يراعِ هذا المفهوم السامي الذي أرشدت إليه الأحاديث النبوية لاستعمال نعم الله تعالى على خير وجه يحقق سعادة الدنيا والآخرة ، فتجده غير مبالٍ بصحة جسده مفرِطاً في تناول الطعام والشراب وتوفير متطلبات النفس مما لذ وطاب ، فوقع فريسة السمنة وأمراض التخمة لإعراضه عن التوجيه النبوي الذي يستأصل مشاكل السمنة ويعالجها قبل ظهورها.عن مِقدام بن معدي رضي الله عنه  قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم   يقول :” ما ملأ ابن آدم وعاءً شراً من بطن بحسْب ابن آدم أُكُلات يُقِمْنَ صلبه فإن كان لا محالة: فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لِنَفَسِه “. رواه أحمد والنسائي وغيرهما وصححه الألباني في الإرواء ( 1938 ) .
* وتراه يتباهى بلبس الملابس الراقية والأقمشة الفاخرة متعالياً على غيره والنبي صلى الله عليه وسلم  يقول :” من ترك اللباس تواضعاً لله وهو يقدر عليه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره من أي حلل الإيمان شاء يلبسها ” . رواه الترمذي وأحمد وسنده حسن . والبعض يسبل الإزار تحت الكعبين تكبراً وبطراً ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه  قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  :” إزرة المسلم إلى نصف الساق ولا حرج ــ أو لا جناح ــ فيما بينه وبين الكعبين ، فما كان أسفل من الكعبين فهو في النار ، ومن جرَّ إزاره بطراً لم ينظر الله إليه ” . رواه أبو داود وإسناده صحيح . والبعض الآخر ينوِّع من استعمال الملابس حسب أوقات اليوم فللصباح ملابس وللمساء أخرى ، حتى كثرت بسبب ذلك الملابس غير المستخدمة وتكدست ، وأكثر ما يكون هذا الترف لدى النساء .
* ومن سماتهم : التبذير والإسراف وإنفاق الأموال الطائلة في بناء المنازل والدور، والتباهي في إعدادها وتصاميمها البديعة في الشـكــل الخارجي والداخلي، مع الحرص على تعدد مواقعها فبعضها للشتاء والآخر للصيف، وبعضها للسكن وبعضها للنزهة ، ومع الحرص على سعتها وكثرة غرفها ووجود ملحقات لها ووفرة وسائل الترفيه فيها، وحسب ابن آدم من كل هذا الشيء القليل. عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال : مرَّ بي رسول الله صلى الله عليه وسلم  وأنا أطيِّن حائطاً لي أنا وأمي فقال : ” ما هذا يا عبد الله ؟ ” فقلت : يا رسول الله شيء أصلحه ، فقال :” الأمر أسرع من ذلك “. رواه أبو داود وصححه الوادعي رحمه الله في الصحيح المسند ( 1 / 535 ).
* ومنهم من يبالغ في العناية بنعومة جسده وطراوته وترهُّل الأطراف ويسـتـكـثر مــن الكماليات ووسائل العناية بالنفس ، والإفراط في التدهن والتطيُّب وترجيل الشعر.عن عبد الله ابن مغفل رضي الله عنه  قال :” نهى النبي صلى الله عليه وسلم  عن الترجل إلا غباً “. رواه أبو داود وحسنه العلامة الألباني رحمه الله في السلسلة الصحيحة .قال السندي معنى غِبَّاً : أي أن يسرح شعره يوماً ويترك يوماً ، والمراد كراهة المداومة على ذلك .وعن عبد الله بن بريدة : أنَّ رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم  رحل إلى فضالة بن عبيد رضي الله عنه  وهو بمصر فقدم عليه وهو يمد ناقة له ـ أي يسقيها مديداً من الماءـ، فقال : إني لم آتك زائراً ، وإنما أتيتك لحديث بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  رجوت أن يكون عندك منه علم ، فرآه شعثاً ، فقال له ما لي أراك شعثاً وأنت أمير البلد ؟ فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم  كان ينهانا عن كثير من الإرفاه ، ورآه حافياً فقال : مالي أراك حافياً ؟ فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم  أمرنا أن نحتفي أحياناً . أخرجه أحمد وأبو داوود وصححه الألباني في الصحيحة (2 / 4 ) .قال في النهاية : الإرفاه هو كثرة التدهن والتنعم ، وقيل التوسع في المشرب والمطعم ، أراد صلى الله عليه وسلم  ترك التنعم والدعة ولين العيش لأنه من زي العجم وأرباب الدنيا .
* ومِنَ المترفين مَنْ يسرف في اقتناء الفرش الوثيرة والأواني الفاخرة والمتاع الراقي ، أو يكثر من ذلك كثرة تقصر معها أيام العمر وتأبى أن تتسع للعبد لكي ينتفع بها ويستخدمها. لقد كان من هدي النبوة التقلل من ذلك قدر الإمكان فقد روى البخاري والنسائي عن عمرو بن الحارث رضي الله عنه  أنه قال :”ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم  إلا سلاحه وبغلته وأرضاً جعلها لابن السبيل صدقة “.وقالت عائشة رضي الله عنها :” كان فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم  من أُدْم ــ أي من جلد ــ حشوه من ليف ” . رواه البخاري .
* ومنهم مَنْ لا يقوم بحاجاتـه الذاتية والاجتماعية التي يمكنه القيام بها، ويلجأ بدلاً من ذلك إلى استقدام الخدم رجالاً ونـســــاء من غير حاجة إليهم ، وإنما رغبة في ترفيه النفس وحب التفاخر والتباهي والظهور بمظهر المتميز أمام الآخرين.
* وغالبهم يكثر من استخدام وسائل الترويح عن النفس من مزاح وألعاب ونزهة وزيارات كثيرة تخرج بالترويح عن الحكمة التي شرع لأجلها، حتى تصبح في حياة كثير من الناس هي الأصل والطاعة والعبادة هو الفرع فلا يحرص على طاعة ولا يجتهد في قربة ، ويتوانى عن القيام بما يقِّربه إلى الآخرة من صلاة النفل وصيام التطوع وكثرة الذكر ويضيع ساعات العمر وأيامه في أمور إن لم تكن من السيئات فلن تكون من الحسنات بحال .قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  محذراً من ذلك: ” ما من ساعة تمر بابن آدم لم يذكر الله فيها إلا حسر عليها يوم القيامة “.رواه أبو نعيم في الحلية وحسنه الألباني رحمه الله في صحيح الجامع ( 2/997 ) ومما استحسن من كلام الحجاج قوله على المنبر: (إن امرءاً ذهب من عمره ساعة في غير ما خُلِق له ، لخليقٌ أن تتطاول عليه حسراته) أورده الماوردي في نصيحة الملوك ( 17 ) .
* كما أنَّ قلة العبادة والتكاسل عن الطاعة هي السمة الغالبة على معظمهم إلا من رحم الله منهم وقليل ما هم ، وذلك لأن قلب ابن آدم إذا ملىء بشيء حتى فاض استحال ملؤه بغيره ، وكل إناء بالذي فيه ينضح ، فالمترف قد ملأ قلبه أو كاد بحب الدنيا وتحصيل متعها وشهواتها، فإذا لم تجد الطاعة مكاناً لما في قلبه فإنها تـرحل عنه ، قال أبو حازم رحمه الله: (يسير الدنيا يشغل عن كثير الآخرة) ( ذم الدنيا لابن أبي الدنيا 135 .) فإذا كان هذا حال اليسير من الدنيا فكيف بحال الكثير منها ؟!.
* ولم يقف حالهم عند ذلك بل إن الكثير منهم خرج عن الجادة وولغ في المعصية وانغمس في الرذيلة ، لإكثاره من الملذات والشهوات المباحة أولاً، ثم توسع فيها حتى خرج عن دائرة المباح إلى دائرة المشتبه فيه، ومع الزمن وقـع في المحرمات قليلاً قليلاً حتى وصل إلى مرحلة الفسق والمجاهرة بالمعصية ، نسأل الله السلامة والعافية .
* ومنهم من وقع في عبودية الهوى والشهوات وردَّ الحق وكذَّب به، وقد أبان الله تـعـالـى في كتابه أن الترف سبب ذلك فقال { واتَّبَعَ الَذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وكَانُوا مُجْرِمِينَ} ، وقال عز وجل {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِــــن نَّذِيرٍ إلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ } .
* ومن حال المترفين : قسوة القلب وغلظة الحس وثقل البدن مما يؤدي إلى نـسـيـان الـعـلـــم وزوال الفطنة والحرمان من متعة التطلع إلى ما وراء اللذة الآنية بالإضافة إلى حرمان النفس من لذة الاهتمامات الكبرى اللائقة بالدور العظيم للمسلم في حياته مع انـشـغــال القلب عن التبصر بما يدور حوله واستلهام العبرة والعظة من ذلك ، كل هذا نتيجة غرقه في لجة اللذائذ والـشـهــوات ، قال الشوكاني رحمه الله عند قوله تعالى {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} قال : (وخصص المترفين تنبيهاً على أن التنعم هو سبب إهمال النظر)فتح القدير 4/773                                                  * ومن سيما هؤلاء: العجز والكسل والتواني عن أداء الأعمال النافعة بحيث ينجز الواحد منهم عمل اليوم في أسبوع، وعمل الأسبوع في شهر، ولقبح هاتين الخصلتين ، كان النبي صلى الله عليه وسلم  يستعيذ منهما بقوله : (اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل ) رواه مسلم (4/2079).
أسباب الترف :
ولوقوعهم هؤلاء في الترف أسباب منها : 1- نسيان الموت والغفلة عن الدار الآخرة وقلــة خـشـيـــة الله تعالى ، وعدم محاسبة النفس وطول الأمل ، قال تعالى محذراً من ذلك {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ}، وقال صلى الله عليه وسلم  موصياً ابن عمر: “كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل “. رواه البخاري ( الفتح 11/237 ). قال ابن عبد البر في جامع العلوم والحكم : (وذلك لأن الغريب لا تعلق له ببلد الغربة، ولا تشاغل لديه بملذاتها وملهياتها، بل قلبه معلق بوطنه الذي يرجع إليه ، والمسافر لا هَمَّ له في الاستكثار من متاع الدنيا أثناء قطعه لمنازل السفر، وإنمـا يـكـتـفـي بتحصيل زاد السفر له ولراحلته لا غير) (جامع العلوم والحكم 2/ 378 ــ 381 ).
2- ومن الأسباب : تـغليب متطلبات الجسد من مأكل ومشرب وملبس ومركب ومسكن ووسائل ترويح وتلبيتها والتكاسل عن العمل للباقية والتزود للآخرة ، وقد كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم  الموازنة بين عمل الدنيا وعمل الآخرة وعدم الانشغال بالأمور الدنيوية على العبادة وعدم الانقطاع لعمل الآخرة وإهمال ما فيه مصلحة للعبد في دنياه.روى البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم  قال لعبد الله بن عمرو رضي الله عنه  حين علم بمغالاته في العبادة : ” ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل، فقلت:بلى يا رســــول الله قال: فلا تفعل صم وأفطر وقم ونم فإن لجسدك عليك حقاً وإن لعينك عليك حقاً وإن لزوجك عليك حقاً وإن لزورك عليك حقاً”. وروى البخاري أيضاً أن نفراً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم  سألوا عن عبادته فلما أُخبِروا فكأنهم تقالُّوها وقالوا: أين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم  قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبداً وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم  فقال :” أنتم الذين قلتم كذا وكذا أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني”( الفتح 5063 ) .
3 - آخرون وقعوا في الترف بزعم أنه لا بد أن يكون الإنسان ابن بيئته وأن يظهر بالمظهر اللائق به مطعماً ومشرباً ومركباً ومسكناً وخدماً فيقع قي تقليد المترفين ممن لا خلاق لهم مباهاةً وتفاخراً وحباً في مساواتهم في أحوالهم ومعاشهم ، قال النبي صلى الله عليه وسلم  :” انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم ” متفق عليه واللفظ لمسلم . وقد ندب الله المؤمنين إلى التنافس في أمور الآخرة والمسارعة إلى مغفرته ورضوانه وجنته فقال {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ } وقال سبحانه {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ } . وعن أبي هريرة رضي الله عنه  قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  :” بادروا بالأعمال سبعاً ، هل تنتظرون إلا فقراً مُنْسِياً أو غنى مُطْغِياً أو مرضاً مُفسداً أو هرماً مُفنِداً أو موتاً مجْهِزاً أو الدجال فشرُّ غائب ينتظر أو الساعة والساعة أدهى وأمر “. رواه الترمذي وهو حديث حسن .  
4 – ومن الأسباب : ضعف التربية الإيمانية والتوجيه الجاد من قبل بعض الأهل والمربين في التحذير من فتنة الحياة الدنيا وزخرفها ، والتقاعس عن تربية النشء على الطاعة والجَلَدَ والخشونة يقول تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}.وقال عمر رضي الله عنه  :” اخشوشنوا فإن النعم لا تدوم ” ذكره ابن القيم في كتاب الفروسية .
5- ومن أسباب الترف : تعلق النفس بالشهوات ، فقد حبب الله تعالى للبشر زينة الحياة الدنيا وزخرفها، فقال{زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ }، ولا بأس بالحب الفطري والضروري لاستمرار الحياة البشرية ، ولكن المترفون يقدمون حب تلك الأشياء على محبوبات الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم   ويتشاغلون بها ويركنون إليها حتى يصبحوا أرقاء لها ، وقد حذر تعالى في كتابه عباده من تقديم حبهم لشهواتهم وملذاتهم على حبه سبحانه وحب رسوله صلى الله عليه وسلم   والعمل لدينه، فقال عز وجل {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُك

المزيد


الشخصية الجذابة

أكتوبر 4th, 2008 كتبها عبدالرحمن السمان نشر في , خطب ومحاضرات

المقال للشيخ محمد العريفي

وكل مسلم ومسلمة يحب الخير والبر والمعروف والإحسان ومكارم الأخلاق.

أما القلوب فهي قلوبنا جميعا، فنحن بحاجة لفن التعامل مع بعضنا البعض.

بحاجة إلى تعميق روابط الأخوة الإسلامية ومعانيها، نحن بحاجة -أيها الأحبة- إلى تحقيق القاعدة الشرعية:

(لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) كما في حديث أنس المتفق عليه.

بحاجة إلى الحوار الهادئ والتعامل المهذب والاحترام المتبادل إلى أن نظهر محاسن هذه العقيدة لنصبح نحن المسلمين قدوات لبعضنا، ومفاتيح خير لغيرنا من أهل الملل والنحل.

 بحاجة إلى أن نكسب قلوب بعضنا وأن نكسب قلوب أهل الأديان الأخرى بصدق التوحيد وحسن المعاملة وجميل الأخلاق لتذوق طعم الإيمان ولتعرف حقيقة الإسلام.

نريد أن نكسب القلوب ليس بالمجاملة ولا بالمداهنة ولا بتمييع ديننا ولا بتمزيقه ولا بالتنازل عن المبادئ والأهداف.

وإنما بمكارم الأخلاق، كما قال ظظ :

(إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) والحديث عند أحمد في المسند.

ولماذا كسب القلوب؟

ليس من أجل الدنيا، ولا متاعها ولا زخرفها ولا من أجل أنفسنا وإظهار محاسنها وتواضعها، لا والله.

بل ولا من أجل تملق الناس وطلب محامدهم وثنائهم.

 إنما من أجل ربنا تعبدا وتقربا، فإن الله يحب معالي الأخلاق، ويبغض سفسافها.

واتباعا لحبيبنا وقدوتنا ظظ فقد كان أحسن الناس خلقا.

وكسب لحب وقرب نبينا يوم القيامة كما قال صلوات الله وسلامه عليه :

(إن من أحبكم إلى وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة، أحاسنكم أخلاقا). حسنّه الترمذي.

وتطبيقا لتعاليم شرعنا وآداب ديننا قولا وعملا، وسرا وعلنا، فقد قال ظظ:(وخالق الناس بخلق حسن).

وشوقا للجنان وتثقيلا للميزان يوم أن نلقى الله فقد قال ظظ:

(فأكثر ما يدخل الناس الجنة تقوى الله وحسن الخلق) صححه الترمذي وقال غريب.

وما من شئ أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلقٍ حسن،

وتخلقا وتأدبا وإيمانا فأكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا.

والله عز وجل يقول عن رسوله ظظ:

( ولو كنتَ فضاً غليظَ القلبِ لنفضوا من حولِك).

إذا فهذه الفضائل وأمثالها مما يحثنا ويشجعنا على اكتساب محاسن الأخلاق وتطبيع نفوسنا عليها، إخلاصا لوجه الله، وطلبا لرضاه فهي عبادة عظيمة وقربة من أجل القُربات فإن العبد ليبلغ بحسن خلقه درجة الصائم القائم.

كما في حديث عائشة وصححه الألباني *رحمه الله*.

إذا فهذا طريقنا للقلوب، هذا هو طريقنا للقلوب خططته لكثرة شكاية الناس بعضهم من بعض.

فالزوج يشكو من سوء تعامل زوجه.

والطالب يتظلم من أخلاق أستاذه.

والموظف يتسخط من رئيسه ومديره.

والمكفول يئن ويتوجع من سوء تصرف كفيله.

حتى الصاحب لم يسلم من صاحبه وخليله.

فبحثت عن العلاج فكان هذا الموضوع. إذا فهو رسالة إلى كل مسلم ومسلمة.

إلى كل الطيبين والطيبات، إلى كل المعلمين والمعلمات.

إلى كل الأزواج، إلى كل موظف.

إلى كل مسلم يسافر خارج البلاد.

إلى كل أحد يحب أن يرى الألفة والمحبة ترفرف على المجتمع الإسلامي.

أيها المسلمون لنحرص على مكارم الأخلاق والتحلي بها وذلك بالصبر ومجاهدة النفس وترويضها هذا أولا.

وثانيا بصحبة الصالحين والنظر في سيرهم وأخلاقهم.

وثالثا بمداومة القراءة والإطلاع في كتب الأخلاق.

 “كالأدب المفرد” للبخاري

و”مكارم الأخلاق” لأبن أبي الدنيا وللخرائطي

وكتب الشمائل وأخلاق النبي r 

ومن أجمل الكتب المعاصرة التي وقفت عليها في هذا الموضوع “الأخلاق الفاضلة” للرحيلي وهو كتاب جميل

و”هذه أخلاقنا” للخازن دار و”سوء الخلق” للحمد وغيرها كثير.

إذا فلنحرص على التحلي بالأخلاق ومن يتصبر يصبره الله.

فإن أردت الوصول للقلوب، بل وإلى رضاء علام الغيوب سبحانه وتعالى فتنبه لهذه النقاط الثلاث الماضية، ثم أحرص على سماع هذا الموضوع وإسماعه مرات ومرات فإنما العلم بالتعلم وأستعن بالله وأكثر الدعاء والتضرع إليه:

(أن كما أحسنت خلَقي فأحسن خُلقي) كما كان ظظ يقول، كما عند أحمد وصححه الألباني.

وقل (اللهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء) كما في الترمذي وهو صحيح.

وقل أيضا بل وردد في كل وقت (اللهم أهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، وأصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت) كما في صحيح مسلم.

فهذا أحسن الناس خلقا والذي أثنى الله عليه فقال:

(وإنك لعلى خلقٍ عظيم) لا يترك صلى الله عليه وآله وسلم الدعاء والتضرع إليه أن يعينه على تهذيب نفسه والتحلي بأحسن الأخلاق، فكيف بي وبك؟ بل كيف بنا جميعا؟ فإنه لا حول لنا ولا قوة إلا بالله جل وعلا.

 العقيدة والأخلاق:

للأخلاق صلة وثيقة بالإيمان والعقيدة، قال أبن القيم يرحمه الله :

(الدين كله خُلق، فمن زاد عليك في الخُلقِ زاد عليك في الدين).

يقول صاحب رسالة جميلة بعنوان “صلة الأخلاق بالعقيدة والإيمان” :

 (إن المتمعن في أحوال الناس يجد كثيرا من المسلمين يغفل عن الاهتمام والاحتساب في هذا الجانب، وقد يجهل الصلة الوثيقة بين محاسن الأخلاق وقضية الإيمان والعقيدة، فبينما تجد الشخص يظن أنه قد حقق التوحيد ومحض الإيمان تراه منطويا على ركام من مساوئ الأخلاق والنقائص التي تخل بإيمانه الواجب أو تحرمه من الكمال المستحب، كالكبر والحسد وسوء الظن والكذب والفحش والأثرة وغير ذلك، وقد يكون مع ذلك جاهلا بضرر هذه الأمور على عقيدته وإيمانه أو غافلا عن شمولية هذا الدين لجميع مناحي الحياة، كما قال تعالى (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين)، إن تحقيق التوحيد -الكلام لا زال لصاحب الرسالة- إن تحقيق التوحيد وتكميل الإيمان ليس باجتناب الشرك الأكبر فحسب بل باجتناب كل ما ينافي العقيدة وكل ما يخل أو يقدح في كمال التوحيد والإيمان… إلى أخر كلامه هناك)).

إذا فليست العقيدة متون تردد، ونصوصا تحفظ بل لا بد أن تتحول إلى واقع عملي في الحياة، والتعامل بين الناس ولما حصل هذا التصور عند بعض الناس ظهر انفصام نكد وازدواجية بين مفهوم الإيمان  ومقتضياته يأتي الحديث عنها إن شاء الله تعالى.

 واقعنا ومكارم الأخلاق:

إن الناس اليوم في عرض الأرض وطولها بحاجة إلى من  يقف معهم ويعينهم وإلى من يزيل عنهم الهم والقلق، إلى من يدلهم إلى طريق السعادة والراحة النفسية، بحاجة إلى من يأخذ بأيديهم إلى طريق النجاة والأمان.

حتى وإن قامت الحضارات، وصنعت المخترعات، وتوالت الإنجازات فكل ذلك من أجل سعادة الإنسان وتكريمه، لكن مع الأسف البشرية اليوم تغرق في بحر الدنيا، يلهث الكثيرُ منهم وراء المال والتجارة، وراء الشهوات والملذات، وراء الرياسة والريادة بأي طريق وبأية صورة ومهما كان الثمن، المهم الوصول للمراد، وهذا هو الواقع الغالب على الناس اليوم -إلا ما شاء الله-.

في خضم هذا اللهثان وفي وسط هذا الإغراق يتلفت البعض ليبحث عن المثل وعن المبادئ وعن الأخلاق والآداب في صفوف الناس، ربما سمع عن التبشير وهو شعار أعلنه المنصرون وتسموا به بل وتمثلوه وللأسف.

يقول أحد الأخوة :

(في يوم من الأيام كنت أراجع طبيبا في أحد المستشفيات، وكنت أرى حسن تعامله وإظهار حرصه بالمريض وحالته، تبادر إلى ذهني أنه أحد المنصرين فقد كنت أقرأ وأسمع عن وسائلهم وأساليبهم، يقول: لكني قطعت هذا الخاطر أخذا بحسن الظن خاصة وأنه عربي، وفي بلد مسلم، لكني عرفت فيما بعد أنه يدين بالنصرانية وربما كان منصرا أو مبشرا كما يقولون) انتهى كلامه.

أيها الأخوة والأخوات:

أليس المسلمون أولى بهذه التسمي “التبشير”؟ وبهذه الأخلاق؟

ألم يقل الحق عز وجل :

(وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين)؟

ألم يقل ظظ :(يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا)؟

ألسنا كمسلمين أولى بهذا التلطف والتودد للناس؟

ألسنا أولى بالتحلي بالأخلاق وبث الأمل في النفوس؟

لماذا هذا الجفاء والإعراض؟ وهذا التنفير والانقباض عند بعض المسلمين؟

لقد أثرت الماديات والحضارات على أخلاقنا وتعاملنا مع بعضنا بشكل كبير، حتى ظن البعض أنه لا يمكن الجمع بين التقدم الحضاري والكسب المادي وبين التحلي بالأخلاق والآداب، حتى قال أحدهم:

لإن كانت الدنيا أنالتك ثروةً*****وأصبحت منها بعد عسرٍ أخا يسرِ

لقد كشف الإثراء عنك خلائقا*****من اللؤم كانت تحت سترٍ من الفقرِ

فإننا لا نكاد نسمع عن ذي شرف أو تاجر أو منصب وقد تحلى ببعض الأخلاق والآداب إلا ويتذاكره الناس إطراء ومدحا وتعجبا أن يكون بمثل هذا المكان ويتمتع بمثل هذه الأخلاق.

أيها الأخوة:

إن من ينظر ويقرأ عن دين الإسلام خاصة في باب الآداب والأخلاق والمعاملات ليعجب أشد العجب من عظمة هذا الدين ودقة مراعاته للمشاعر والعواطف، وحرصه على نشر المحبة والمودة.

أسمعوا لهذا الحديث عن عائشة رضي الله عنها قالت، قال النبي ظظ :

(إذا أحدث أحدكم في صلاته فليأخذ بأنفه ثم لينصرف) صحيح عند أحمد.

لماذا يأخذ بأنفه، وما علاقة الأنف بما صنع؟

إنها عظمة هذا الدين ودقة العناية بمشاعر النفس، والحفاظ على أحاسيسها، يأخذ بأنفه ليوهم من بجواره أن به رعافا فلا يفتضح أمره فيُحرج ويخجل.

قال الخطابي في بذل المجهود شرح سنن أبي داوود قال إنما أمره أن يأخذ بأنفه ليوهم القوم أن به رعافا، وفي هذا الباب من الأخذ بالأدب في ستر العورة وإخفاء القبيح والتورية بما هو أحسن وليس داخلا في باب الرياء والكذب، وإنما هو من باب التجمل واستعمال الحياء وطلب السلامة من الناس.

 

أرضى للناس جميعا مثل ما ترضى لنفسك

                     إنما الناس جميعا كلهم أبناء جنسك

غير عدل أن توخى وحشة الناس بأنسك

                  فلهم نفس كنفسك ولهم حس كحسك

من ينظر للواقع يرى العجب في الإفلاس الأخلاقي الذي تعيشه كثير من المجتمعات الإسلامية اليوم، بل هناك من انبهر بالحضارة الغربية فنقلها للمسلمين بقضها وقضيضها وإيجابها وسلبها، ونحن مع دعاة التقدم والحضارة في الاستفادة من التكنولوجيا والصناعة وكسب المهارات والخبرات.

لكننا وعلى لسان كل مسلم صادق وغيور، لا وآلف لا لاستيراد العادات والتقاليد الغربية الانحلال الخلقي بإسم الحرية وحقوق المرأة، أما إقحام الفضيلة والستر والعفاف ومكارم الأخلاق في التقدم والتخلف المزعوم فخدعة مكشوفة لا تنطلي إلا على غافل ساذج في فكره دخل أو في قلبه مرض.

إن في أخلاقنا وآدابنا كمسلمين بل وعادتنا وتقاليدنا كعرب ما يملئ قلوبنا بالفخر والاعتزاز والرفعة والسيادة، فالله أختار لنا مقاما عزيزا ومكانا شريفا فقال جل وعز :

(وكذلك جعلناكم أمة وسطاء لتكونوا شهداء على الناس، ويكون الرسول عليكم شهيدا).

فأسألكم بالله هل هذا المقام يناسب ما يفعله بعض الغافلين والغافلات من تشب وتقليدا بأهل الكفر والشرك في عاداتهم ولباسهم وسيئ أخلاقهم؟

فأنت أيها المسلم يجب أن تكون متبوعا لا تابعا، وقائدا لا منقادا بصفاء عقيدتك وثبات مبدئك، وتعاليم دينك السمحة، وحسن أخلاقك.

فلما لا نعتز بالشخصية الإسلامية؟

ولما لا نعلن للعالم كله أننا أهل دين وخُلق؟ وأن لنا صبغة خاصة تميزنا عن ما سوانا؟ هي :

(صبغة الله، ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون).

* الدعاة الصامتون

إننا نملك كنزا عظيما هو كنز الإيمان، لكنه الإيمان حقيقة لا صورة، الإيمان الذي لامست حلاوته شغاف القلوب فظهرت تلك الحلاوة على جوارح ذلك المسلم، أقواله وأفعاله وصفاته، فيوم ذاق طعم الإيمان عرف حقيقة الاستقامة والالتزام فأثر ذلك في سلوكه وصدقه ومعاملته.

يذكر التاريخ لنا أن الإسلام وصل إلى جنوب الهند وسيلان وجزر المالديف وسواحل الصين والفلبين وإندونيسيا وأواسط أفريقيا عن طريق تجار مسلمين لكنهم مسلمون بحق، لم يؤثر عليهم بريق ولمعان الدينار والدرهم، بل تجسد الإسلام في سلوكهم وأمانتهم وصدقهم، فأعجب الناس بهذه الأخلاق، فبحثوا وسألوا عن مصدرها، فدخلوا الإسلام عن رغبة واقتناع.

إن من أكبر وسائل التأثير على النفوس هو التميز في الأخلاق المتمثل في القدوة الصالحة، بل هو أعظم وسيلة لنشر الإسلام في كل مكان.

ومن تتبع سيرة ا

المزيد


أمنيات الموتى

أكتوبر 4th, 2008 كتبها عبدالرحمن السمان نشر في , خطب ومحاضرات

المقال للشيخ الدكتور محمد العريفي

أمنيات الموتى

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد،
فإن لكل إنسان في هذه الحياة أمان كثيرة ومتعددة، وتتفاوت هذه الأماني وتتباين وفقا لاعتبارات عديدة، منها: البيئة التي يعيش فيها الفرد، والفكر الذي تربى عليه، والأقران الذين يحيطون به.
فلو سألت إنسانا ما أمنيتك في هذه الحياة ؟ فإن كان من وسط فقير، وعاين الفقر وأحس بألمه واكتوى به، تمنى أن يعيش غنيا، وأن يملك العقارات والسيارات؛ ليعيش منعما كما يتنعم غالب الناس.
ولو قابلت مريضا طرحه المرض على الفراش، فشل حركته، وقيد حريته، ومنعه حتى من لذة الطعام والمنام، وسألته عن أمنيته؟ لرأيته يتمنى أن يعافى من مرضه، ولو أن يفتدي بماله كله.
ولو سألت بعض الأغنياء عن أمنياتهم، لرأيتهم يتمنون مزيدا من الغنى، ليكونوا أغنى من فلان وعلان، وهكذا فالمقل لا يقنع، والمكثر لا يشبع، وأماني الدنيا لا تنتهي.
وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال فيما رواه عنه أنس رضي الله عنه: ( لو أن لابن آدم واديا من ذهب، أحب أن يكون له واديان، ولن يملأ فاه إلا التراب، ويتوب الله على من تاب) ( )، أي لا يزال ابن آدم حريصاً على الدنيا حتى يموت ويمتلئ جوفه من تراب قبره.
ومع هذه الأماني المتباينة لهؤلاء الناس، فإن الجميع تراهم يسعون ويكدحون طوال حياتهم، لتحويل أحلامهم وأمنياتهم إلى واقع، وقد يوفقهم الله تعالى إلى تحقيقها متى بذلوا أسباب ذلك.
ولكن هناك فئة من الناس لا يمكنهم تحقيق أمنياتهم، ولا يُنظر في طلباتهم، فمن هم يا ترى؟ ولماذا لا تُحقق أمنياتهم؟ وهل يمكننا مساعدتهم أو تخفيف لوعاتهم؟
أما عن هذه الفئة التي لا يمكنهم تحقيق أمنياتهم، فهم ممن أصبحوا رهائن ذنوب لا يطلقون، وغرباء سفر لا ينتظرون، إنهم الأموات ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فماذا يتمنى الأموات يا ترى؟ ومن يا ترى يستطيع أن يُحدِّثنا عن أمنياتهم، وقد انقطع عنا خبرهم، واندرس ذكرهم؟
فلنتحدث قليلا عن هذه الفئة المنسية، لنعرف أمنيات أناس أصبح بصرهم حديدا، فعاينوا الجنة والنار، ورأوا ملائكة الله، وأصبح الغيب لديهم شهادة، وعرفوا حقيقة الدنيا والآخرة، وأيقنوا وهم في برزخهم؛ أنهم سيبعثون ليوم عظيم، فهل يتمنون العودة إلى هذه الدنيا ليتمتعوا بالحياة ويحسوا بلذتها وطعمها؟ أو ليملكوا مزيدا من العقارات ويجوبوا الأرض سياحة ولهوا ؟
إن أمنية الكثير من الناس في هذه الحياة لا تزيد على وظيفةٍ مرموقة، وزوجة جميلة، ومركبٍ هنيءٍ، وبيتٍ واسعٍ، وأملاكٍ وعقاراتٍ، وتمشياتٍ وسهراتٍ، وحضور ولائم وحفلات.

أما الأموات، فماذا يريدون من دنيا رحلوا عنها، وانخدعوا بها، وعرفوا حقيقتها، وخلفوها وراء ظهورهم بلا رجعة؟
فلنقرأ ما ذكره لنا كتاب ربنا عز وجل وسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عن أمنيات الموتى الصالحين منهم والطالحين.

[أولا]: أمنيات الصالحين
إن المؤمن إذا مات وحمل على الأعناق، نادى أن يقدموه ويسرعوا به إلى القبر ليلقى النعيم المقيم، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا وضعت الجنازة فاحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قدموني قدموني، وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها أين يذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعها الإنسان لصعق) ( )

وإذا أدخل قبره وبشر بالجنة، ورأى منزلته فيها، فإنه لا يتمنى أن يعود إلى الدنيا، بل يتمنى أن تقوم الساعة، ليدخل في ذلك النعيم المقيم الذي ينتظره، لقد ذكر لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن العبد المؤمن إذا أجاب عن أسئلة الملكين وهو في قبره، (….نادى مناد من السماء: أن صدق عبدي فافرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابا إلى الجنة، فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره، ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح، فيقول: رب أقم الساعة، رب أقم الساعة، حتى أرجع إلى أهلي ومالي….) ( ).

هذه أمنية الرجل الصالح وهو في قبره؛ أن تقوم الساعة، وأما الكافر أو المنافق فعلى الرغم من شدة العذاب الذي يلاقيه في قبره، فإنه يدعو: رب لا تقم الساعة، رب لا تقم الساعة، لأنه يعلم أن ما بعد القبر هو أشد وأفظع.

كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن المؤمن إذا بشر في قبره بالجنة، يتمنى أن يعود إلى أهله ليبشرهم بنجاته من النار وفوزه بالجنة، إذ روى جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا رأى المؤمن ما فسح له في قبره، فيقول: دعوني أبشر أهلي) - وفي رواية -(فيقول: دعوني حتى أذهب فأبشر أهلي، فيقال له: اسكن) ( ). ‌

ولقد قص الله عز وجل علينا قصة صاحب (يـس) الذي كان حريصا على هداية قومه، إلا أنهم قتلوه وهو يدعوهم إلى الإيمان بالله ورسله، فلما عاين كرامة الله عز وجل له وفوزه بالجنة، تمنى أن يعلم قومه بذلك كي يؤمنوا ، فقال تعالى في شأنه : {قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ} [يس: 26-27]، أي تمنى أن قومه الذين حاربوا دين الله، ورفضوا الاستجابة لأوامر الله؛ أن يعلموا ماذا أعطاه الله من نعيم وثواب جزيل.
وأما الشهيد، فبالرغم من عظم منزلته الرفيعة التي يراها أُعدت له في أعلى درجات الجنة، فإنه يتمنى أن يعود إلى الدنيا، ولكن ليستمر في جهاد أعداء الله، فيقاتل ويُقتل ولو عشر مرات، لما يرى من ثواب الجهاد وكرامة المجاهدين عند الله عز وجل، اسمع ما نقله لنا الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم عن أمنية كل من مات شهيدا في سبيل الله عز وجل.

روى أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء، إلا الشهيد؛ يتمنى أن يرجع إلى الدنيا، فيقتل عشر مرات، لما يرى من الكرامة) ( ).

‌وفي رواية أخرى قال صلى الله عليه وسلم: (ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وأن له ما على الأرض من شيء، غير الشهيد فإنه يتمنى أن يرجع فيُقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة). ‌

وروى جابر رضي الله عنه قال: لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي: (يا جابر ما لي أراك منكسرا)؟ قلت: يا رسول الله استشهد أبي، قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، وترك عيالا وَدَيْنً

المزيد


الحب .. الحب ..

أكتوبر 4th, 2008 كتبها عبدالرحمن السمان نشر في , خطب ومحاضرات

المقال للشيخ محمد العريفي

الحب .. الحب ..

إن ديننا الإسلامي يركز على الجوهر مع عدم إهمال الشكل في أي شيء حتى في اللباس، فالإسلام أوصى بستر العورة والتزين والتجمل باللباس، ومع حرصه على الشكل، ركز ولفت النظر إلى الجوهر فقال تعالى: {ولباس التقوى ذلك خير}.
أما الحضارة الغربية اليوم فإنها تركز على الشكل في كل شيء في اللباس والمكياج والزينة والديكور وشمل ذلك حتى العلاقات الإنسانية، فهي حضارة مزيفة ويسوّقون هذه الأفكار على مستوى العالم، حتى شمل ذلك «الحب» على الرغم من أنه خلق قلبي، الأصل فيه الجوهر لا المظهر، ولكنهم لا يفرقون في ذلك حتى جعلوا له عيداً سموه «عيد الحب» (سان فالنتين) وفلسفته أن يتذكر العشاق بعضهم بعضاً من خلال هدية تهدى من أحدهم للآخر وردة أو بطاقة بريدية أو أي شيء آخر، وقد كشفت الإحصاءات أن الأمير كيين أنفقوا (2.6 مليار دولار) على شراء الهدايا عام 2000 ميلادية في يوم عيد الحب، حتى ابتكرت بعض الجهات والشركات مناسبات في هذا اليوم تعبر عن الحب منها (شركة فايزر لصناعة الأدوية) حملة دعائية عن (الفياجرا) وكيف أنه يزيد الحب، وأعلنت «الجمعية الأمير كية للحياة البرية» على الخط الرومانسي الساخن عشرة مواقع طبيعية بأمريكا يمكن للعشيقين أن يطلقوا شرارة الحب من جديد عند الزيارة الأولى للموقع، كما:
حقق حبيبان سابقان كانا يعشقان بعضهما منذ الطفولة، هما كانت روز (28 عاماً) ودارين ويلسون (21 عاماً) حلمهما في نيل هدية عيد الحب أمس الأول.. بعد فوزهما بالطلاق في مسابقة أجرتها إحدى الإذاعات المحلية في مدينة مانشستر ببريطانيا، وسيكون في مقدور الزوجين الفكاك من قيد الزواج بعد فوز قصتهما عن الأسباب التي جعلتهما يريدان الانفصال، بمعظم الأصوات في مسابقة قصص مستمدة من الحياة أجرتها إذاعة مستقلة في مانشستر.
وبينما ذكرت روز أن أحد الأسباب الرئيسية التي أدت إلى فشل الزواج من وجهة نظرها كان عادة زوجها المتمثلة في دأبه على عدم تغطية مقعد التواليت بعد استخدامه. قال الزوج: إنه بات يشعر بالنفور من زوجته إلى حد لا يطيق معه سماعها وهي تتنفس.
وبمجرد إتمام إجراءات الانفصال سوف تمنح الإذاعة كلاً منهما تذكرة مجانية لقضاء «شهر عسل طلاق» كل مع شريكه الجديد، وقال كل منهما أنهما يريدان الذهاب إلى المكسيك، وإن كان إلى جهات مختلفة من البلاد.
بمثل هذه المظاهر يعبرون عن حبهم، وهو مفتعل ولهذا جعلوا لهم عيداً، فالحضارة الغربية أعيادها تؤسس على أزمات ومشاكل (فعيد العمال) جاءت فكرته من ظلم العمال و(عيد الأم)، جاءت فكرته من ظلم الأم وعدم تقديرها، وكذلك (عيد الحب)، أرادوا أن يحيوا الحب الحقيقي في نفوس أبنائهم وأجيالهم، وأذكر أنني جلست مرة مع عائلة أمريكية، كان الوالدان يتحدثان عن الحب الزائف في الأجيال

المزيد


التضرع إلى الله في الشدائد

أكتوبر 4th, 2008 كتبها عبدالرحمن السمان نشر في , خطب ومحاضرات

خطبة للشيخ سعد البريك

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا ند ولا شبيه ولا مثيل ولا نظير ليس كمثله شيء وهو السميع البصير وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده وعبد ربه مخلصاً حتى أتاه اليقين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين أما بعد فيا عباد الله اتقوا الله تعالى حق التقوى يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوماً لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور.

معاشر المؤمنين :
في زمان التقدم وسباق التسلح , لا نزال نسمع كل يوم باختراع جديد أو اكتشاف فريد في عالم الأسلحة ، على تراب الأرض ، أو في فضاء السماء الرحب ، أو وسط أمواج البحار والمحيطات ، فالسلاح هو عتاد الأمم الذي تقاتل به أعداءها،  ومقياس القوة والضعف في عُرف العالم اليوم إنما يكون بما تملك هذه الدولة أو تلك الأمة من أسلحة متطورة و عتاد متقدم .
ولكن ثمة سلاح لا تصنِّعه مصانع الغرب ولا تبيعه أسواق الشرق ولا تعرف سره مختبرات أوروبا التكنولوجية ، إنه سلاح أنه عزيز لا يملكه إلا أمة هي خير أمة أخرجت للناس ، أمة الدين الخاتم والرسالة الخالدة , إنه سلاح الأنبياء والصالحين على مرّ العصور ، إنه التضرع والدعاء .
تضرع نوح عليه السلام إلى ربه فأُغرق أهل الأرض بالطوفان ، وتضرع موسى عليه السلام فأنقذه الله من الطاغية فرعون وأغرقه في البحر ، به نجى الله صالحًا وأهلك ثمود ، وأذل عاداً وأظهر هود ، وأعز محمداً صلى الله عليه وسلم   في مواطن كثيرة .
والله جل وعلا يبتلي عباده ليستغيثوا به ويتضرعوا به ، قال تعالى {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ } وقال { وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ }، وهذا من النعم في طيّ البلاء، والافتقار إلى الله هو عين الغنى ولب العبادة ومقصودها الأعظم ، والتذلل له سبحانه هو العز الذي لا يجارى ، والله يحب أن يسأله العباد جميع حاجاتهم حتى الطعام والشراب كما في الحديث القدسي: ” يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم ” (رواه مسلم ).
المسلمون في فلسطين وفي كل مكان يقتَّلون ويذبَّحون الطائرات تمطرهم بقنابلها والدبابات تقصفهم بحُممِها والرشاشات تطلق نيرانها على الأبرياء والضعفاء والنساء والأطفال والرضع .
فما أحرى الأمة في خضمِّ هذه الكربات والشدائد أن تلجأ إلى من يفزع إليه المكروب ويستغيث به المنكوب وتصمد إليه الكائنات وتسأله المخلوقات وتلهج بذكره الألسن وتألهه القلوب .
يا ربِّ صفحَك يرجو كلُّ مُقترفٍ      فأنت أكرم من يعفو ومن صفحا 
يا رب لا سببَ أرجو الخلاص به       إلا رجاءً ولطفاً منك إن نفحا
فمـا لجـأتُ إلى ربي بمعضلـة        إلا وجدت جناب اللطف منفسحا
ولا تَضايَقَ أمـرٌ فاستجرتُ به            إلا تفرَّج بـاب الضيـق وانفتحا
لما تكافت قوى الكفر والطغيان على إبراهيم عليه السلام بعد أن حطم الأصنام التي كانوا يعبدونها من دون الله فتشاوروا وتباحثوا    و{قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَاناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ } وشرعوا بجمع الحطب من كل مكان يمكنهم الجمع منه ومكثوا مدة في ذلك حتى إن المرأة منهم كانت إذا مرضت تنذر لئن عوفيت لتحملن حطباً لحريق إبراهيم ثم عمدوا إلى جوبة عظيمة فجمعوا فيها ذلك الحطب وأشعلوا فيه النار فاضطرمت وتأججت والتهبت وعلاها شرر لم ير مثله قط ، ثم وضعوا إبراهيم عليه السلام في كفة منجنيق بعد أن قيدوه وكتفوه وأوثقوا رباطه ثم ألقوه في النار فقال وهو في هذه الكربة العظيمة والمحنة الكبيرة داعياً ربه متضرعاً إليه مستغيثاُ به ( حسبنا الله ونعم الوكيل ) فاستجاب الله له {قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ } فما ضرته ولا آذته ولم تحرق سوى وثاقه الذي كان مشدوداً به . ( البداية والنهاية لابن كثير 1/ 146 بتصرف يسير ) . 
قال ابن عباس رضي الله عنهما : ( حسبنا الله ونعم الوكيل ) قالها إبراهيم حين ألقي في النار وقالها محمد صلى الله عليه وسلم  حين قيل له {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ } رواه البخاري.
فلماذا نحن غافلون عن هذا الدعاء العظيم ؟!!.  
يا رب حمداً ليس غيرك يحمد             يا من له كل الخلائق تصمدُ
أبواب غيرك ربنا قد أوصدت           ورأيت بابك واسعاً لا يوصدُ  
لما ابتلى الله نبيه أيوب عليه السلام فسلبه كل ما حباه من نعمة المال والماشية والعبيد والأراضي والأهلين والأولاد ونزل بجسده أنواع الأسقام والأمراض حتى فتكت به أشد الفتك ولم يبق منه عضو سليم وتساقط لحمه فلم يبق منه إلا العظم والعصب وبقي قلبه ولسانه سليماَ ليذكر الله عز وجل به ، وطال مرضه حتى عافه الجليس واستوحش منه الأنيس فأُخرج من بلده وألقي على مزبلة خارجها وانقطع عنه الناس ولم يبق له أحد يعطف عليه سوى زوجته التي كانت ترعى له حقه وتعرف قديم إحسانه إليها وشفقته عليها ، فكانت تتردد إليه فتصلح من شأنه وتعينه عل قضاء حاجته وتقوم بمصلحته ثم ضعف حالها وقل مالها حتى كانت تخدم الناس بالأجر لتطعمه وكان الناس لا يستخدمونها لعلمهم انها امرأة أيوب خوفاً أن ينالهم من بلائه أو تعديهم بمخالطته ، ومكث على هذه الحال ثمانية عشرة سنة ، وكان له أخوان فجاءا يوماً فلم يستطيعا أن يدنوا منه من ريحه فقاما من بعيد ، فقال أحدهما لصاحبه : لو كان الله علم من أيوب خيراً لما ابتلاه بهذا ، فجزع عليه السلام من مقالهما فلجأ إلى ربه مسترحماً مستغيثاً وقال ربِّ { أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ } ، فأوحى الله إليه {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ } فامتثل ما أمر به فأنبع الله له عيناً باردة الماء فشرب واغتسل وأذهب الله ما كان به من بلاء ظاهر وباطن وعاد على أحسن ما كان . أورد ابن أبي حاتم بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الله ألبسه حلة من حلل الجنة ، ثم تنحى من مكانه وجلس في ناحية وجاءت امرأته فلم تعرفه فقالت يا عبد الله هذا المبتلى الذي كان ههنا لعل الكلاب ذهبت به أو الذئاب ؟ وجعلت تكلمه ساعة ، قال : ولعل أنا أيوب !! قالت أتسخر مني يا عبد الله ؟ فقال ويحك أنا أيوب قد ردَّ الله عليَّ جسدي ، ثم صب الله عليه المال صباً وأخلف له أهله ومثلهم معهم قال تعالى {وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ } قال ابن كثير: أي تذكرة لمن ابتلي في جسده أو ماله أو ولده فله أسوة بنبي الله أيوب حيث ابتلاه الله بما هو أعظم من ذلك فصبر واحتسب حتى فرج الله عنه . ( البداية والنهاية 1 / 224 بتصرف كبير ) . 
ما كُشِفت البلايا والمصائب وما مُنع وقوع العذاب والهلاك بمثل التضرع لله ، فهو عدو البلاء يدافعه ويعالجه ويمنع نزوله أو يخففه إذا نزل، ، به تفرج الهموم وتزول الغموم كفاه شرفاً قرب الله من عبده حال تضرعه ودعائه، وأعجز الناس من عجز عنه ، فهو عين المنفعة ورجاء المصلحة .
لما ذهب يونس عليه السلام مغاضباً التقمه الحوت فصار في ظلمات ثلاث : ظلمة الليل وظلمة البحر ظلمة بطن الحوت لجأ إلى عالم السر والنجوى وكاشف البلوى سامع الأصوات وإن ضعفت وعالم الخفيات وإن دقت ومجيب الدعوات وإن عظمت فقال { لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين } فاستجاب الله دعاءه من قعر البحار وهو على عرشه واحد قهار فنجاه وفك كربته فقال{فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ * وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ }.قال أبو هريرة رضي الله عنه طرح بالعراء وأنبت الله عليه اليقطينة ـــ شجرة الدباء ـــ وهيأ الله له دابة تأكل من هشاش الأرض فكان يشرب من لبنها رحمة به ونعمة عليه وإحساناً إليه . ( البداية والنهاية 1 / 234 بتصرف يسير ) .
قال النبي صلى الله عليه وسلم  :” دعوة ذي النون إذ دعابها وهو في بطن الحوت ” لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ” ، لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له “. رواه الترمذي والحاكم وصححه الألباني

المزيد


العادات السبع لكبار الناجحين

أكتوبر 4th, 2008 كتبها عبدالرحمن السمان نشر في , خطب ومحاضرات

المقال للشيخ العريفي

التخطيط للحياة

العادات السبع لكبار الناجحين

إن (العادات السبع) للناجحين عادات مترابطة بشكل عضوي، تعتمد إحداها على الأخرى، ويتلو بعضها بعضًا بصورة طبيعية. فالعادات الثلاث الأولى مرتبطة بالشخصية، وهي تساعد صاحبها على تحقيق (أهدافه اليومية)، وهو ما يحقق له (الاستقلالية)، والاعتماد على النفس. والعادات الثلاث التي تليها هي التعبير الخارجي الظاهر عن الشخصية، وهي توصل صاحبها إلى تحقيق (المنفعة المشتركة). أما العادة السابعة فهي تساعد على مواصلة عملية التقدم والنمو، والمحافظة عليها.
العادة الأولى: كن مبادرًا
بادر ولا تنتظر. إن هذه العادة تعني أن تتحمل مسؤولية مواقفك وأعمالك. إن الناجحين قوم مبادرون، ينمّون في أنفسهم القدرة على ( اختيار ردود أفعالهم) تجاه المواقف والأحداث، ويجعلونها ثمرة للقيم التي يحملونها، والقرارات التي يتخذونها، لا تابعة لأمزجتهم وأوضاعهم. إنهم يتمتعون بـ (الحرية) في اختيار مواقفهم حيال أي وضع داخل أنفسهم أو خارجها.
إنك كلما مارست حريتك في اختيار مواقفك واستجاباتك وردود أفعالك أصبحت أكثر مبادرة وإيجابية. وسبيل ذلك:
أ- أن تكون هاديًا لا قاضيًا.
ب- أن تكون مثالاً يحتذى لا ناقداً.
ج- أن تكون مبرمجًا لا برنامجًا.
د- أن تغذي الفرص وتجيع المشكلات.
هـ- أن تحافظ عل الوعود لا أن تختلق الأعذار.
و- أن تركز على الدائرة الضيقة للتأثير الممكن، لا على الدائرة الواسعة للأمور التي تهمك ولا سيطرة لك عليها.
تطبيقات العادة الأولى:
1- حاول ـ لمدة ثلاثين يومًا ـ أن تعمل في دائرة التأثير، أي: في حدود إمكاناتك واستطاعتك. حافظ على مواعيدك. كن جزءًا من الحل لا جزءاً من المشكلة.
2- تذكر موقفًا حدث لك في الماضي تصرفت فيه بشكل انفعالي يعتمد على رد الفعل وقرر مسبقًا أنك ستتصرف في مواقف مماثلة بشكل حكيم يعتمد على المبادرة والإيجابية.
3- انتبه إلى أسلوبك في الكلام، هل تستعمل عبارات انفعالية تعتمد على ردود الفعل، مثل: لا أستطيع، يجب علي… لو أني فعلت كذا وكذا…إلخ، وبذلك تحمل مسؤولية مشاعرك وتصرفاتك شخصًا آخر، أو تلقيها على الظروف إن كانت هذه هي الحال فابدأ باستعمال أسلوب أكثر مبادرة وإيجابية، تعبر فيه عن مقدرتك على اختيار مواقفك وردود أفعالك وعلى إيجاد حلول أخرى.
4- حدد ما يقع في دائرة إمكانك، أي: ما تستطيع فعله، وركز اهتمامك وجهودك عليه لمدة أسبوع، ولاحظ نتيجة ذلك في عملك. أو قل وتذكر قوله تعالى: {لايكلف الله نفسا الا وسعها[البقرة : 286].
وقول الشاعر : إذا لم تستطع شيئًا فدعه - وجاوزه إلى ما تستطيع
العادة الثانية: ابدأ والنهاية أمام عينيك، أي: ليكن هدفك واضحًا منذ البداية
هذه عادة القادة الناجحين. ابدأ يومك بأهداف واضحة تريد تحقيقها، وأعمال محددة تسعى لإنجازها. إن (الناجحين) يعلمون أن الأشياء توجد في (الذهن) قبل أن توجد في (الواقع)، لذلك فهم (يكتبون) أهدافهم ويجعلونها (مرجعًا) عند اتخاذ قراراتهم المستقبلية. إنهم يحددون بدقة وعناية (أولوياتهم) قبل الانطلاق لتحديد أهدافهم.
أما (المخفقون) فيسمحون لعاداتهم القديمة، ولأناس آخرين، وللظروف المحيطة بهم أن تملي عليهم أهدافهم، أو تؤثر في أولوياتهم، إنهم يتبنون القيم والأهداف السائدة في مجتمعهم، وتقاليدهم، وثقافتهم، دون فحصها للتأكد من صحتها، أو مناسبتها لهم، ويشرعون في تسلق (سلم النجاح) الذي يتخيلونه، فإذا وصلوا إلى آخر درجة فيه اكتشفوا أنه مستند على غير الجدار المطلوب!
إن (التصور الثاني)، أي: الوجود الفعلي المادي، يتبع (التصور الأول)، أي: الوجود الذهني، كما يتبع إنشاءُ مبنى على الأرض وجود (مخطط) البناء. فإذا كان المخطط صحيحًا، وممتازًا، وتم التنفيذ بالشكل المطلوب كان البناء ممتازًا.
تطبيقات العادة الثانية:
1- تأمل الفرق بين (القيادة) و(الإدارة)، واعزم على الاتجاه الذي تريد المضي فيه والغايات التي تريد الوصول إليها في حياتك.
2- تخيل أنك متّ بعد ثلاثة أعوام من الآن، وقام للحديث عنك أربعة أشخاص: واحد من أفراد أسرتك، وآخر صديق لك حميم، والثالث زميل في عملك، والرابع إمام المسجد الذي تصلي فيه (التصرف الأخير هذا من عندي، لأن المؤلف قال: راعي الكنيسة). اكتب ما تود أن يقوله عنك كل واحد من هؤلاء، واجعل ما كتبته من ضمن أهدافك.
3- حدد مشروعًا عليك القيام به في المستقبل القريب. طبق مبدأ (التصور، أو الوجود الذهني) واكتب النتائج التي تودالوصول إليها، والخطوات التي ينبغي سلوكها لتحقيق تلك النتائج.
العادة الثالثة: قدم الأهم على المهم: (رتب أولوياتك)
تتصل هذه العادة اتصالاً وثيقًا بـ (إدارة الوقت)، وبترتيب الأمور المشار إليها في العادة الثانية، التي ينبغي عليك القيام بها بحسب أهميتها.
لقد تبين من الدراسات التي أجريت في هذا المجال أن (80) بالمئة من النتائج المرجوة هي حصيلة (20) في المئة من الجهود المركزة المبذولة في سبيل تحقيقها. لذلك علينا - إذا أردنا استثمار وقتنا بالشكل الأمثل - أن نقلل من اهتمامنا بالأمور المستعجلة القليلة الأهمية، وأن نخصص وقتًا أطول للأمور المهمة التي قد لا تكون بالضرورة مستعجلة.
إن الأمور المستعجلة الطارئة تتطلب منا اتخاذ إجراء مستعجل حيالها وهو ما يضيع علينا الوقت اللازم للقيام بالأمور الحيوية المهمة، التي هي - بطبيعتها - غير مستعجلة، ويمكن تأخيرها قليلاً دون حصول ضرر يذكر من هذا التأخير.
لذا علينا أن نكون (مبادرين) في إنجاز الأمور المهمة غير المستعجلة وعندما نستطيع أن نقول: (لا) لغير المهم نستطيع أن نقول: (نعم) للمهم. وإذا لم نفعل هذا فإن الأمور الطارئة العاجلة ستملأ علينا وقتنا، وقد تفسِدُ في المآل حياتنا، وهذا ما يؤدي إليه التخطيط اليومي دون التخطيط الأسبوعي أو الشهري، لأن التخطيط اليومي يتعامل مع القضايا والمشكلات التي تتطلب حلولاً سريعة، دون أن يكون لها نفع في تحقيق الأهداف الكبرى على المدى البعيد. أقول: فكيف بمن لا يخطط حتى ليوم واحد، وما أكثرهم بيننا!!
ولمزيد من الإيضاح لا بأس أن نرسم ما يمكن أن يُسمّى المربعات الأربعة لإدارة الوقت وحسن الاستفادة منه، ونلاحظ أن الجهد الأكبر، والوقت الأوفر، والعناية الأكثر يجب أن تُعطى للمربع رقم (2):
تطبيقات العادة الثالثة:
1- اكتب عملاً واحدًا مهمًا تحسن القيام به في حياتك الشخصية (كممارسة الرياضة البدنية إذا لم تكن ممارسًا لها، وكالإقلاع عن التدخين إذا كنت مدخنًا) وآخر في عملك الوظيفي (كالوصول قبل بدء الدوام بربع ساعة مثلاً)، ثم ضع جدولاً للأسبوع القادم مبنيًا على أولوياتك.
2- ارسم (المربعات الأربعة) الخاصة بك، وقدّر كم من الوقت تنفقه في كل مربع، ثم سجل لمدة ثلاثة أيام (كل ساعة) ما قمت به في المربع الذي يناسبه، راجع ما سجلت، وعدّل سلوكك ومخططاتك لينال المربع الثاني من وقتك النصيب الأوفى.
3- ابدأ بالتخطيط لحياتك على أساس أسبوعي، واكتب أهدافك، وارسم الخطط لتحقيقها وليكن ذلك كتابة أيضًا.

                                 *   *   *   *   *  

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد: روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك عن النبي قال: { لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفأل } قال: قيل وما الفأل؟ قال: { الكلمة الطيبة }. ما هو التشاؤم؟ الشأم والشؤم ضد اليُمن الذي هو البركة، ويقال رجل مشؤوم أي جر الشؤم عليهم، ورجل ميمون أي جر الخير والبركة واليُمن على قومه. [انظر لسان ومعجم العرب ومعجم مقاييس اللغة]. والعرب تقول: جرى له الطائر بكذا من الخير والشر، قال أبو عبيدة: الطائر عندهم الحظ وهو الذي تسميه العامة البخت، يقولون هذا يطير لفلان أي يحصل له. قلت: ومنه الحديث فطار لنا عثمان بن مظعون أي أصابنا بالقرعة لما اقترع الأنصار على نزول المهاجرين عليهم وفي حديث رويفع بن ثابت حتى أن أحدنا ليطير له النصل والريش والآخر القدح أي يحصل له بالشركة في الغنيمة. وقال الحليمي: ( التشاؤم سوء ظن بالله تعالى بغير سبب محقق، والتفاؤل حسن ظن به، والمؤمن مأمور بحسن الظن بالله تعالى على كل حال ). والمقصود بالحديث من يجر النقص والشؤم على نفسه، وما يسمى بالنظرة السوداوية إلى النفس بأنه مشؤوم وسيء الحظ. آثاره: 1 - باب الوساوس والشيطان، قال ابن القيم: ( اعلم أن من كان معتنياً بها قائلاً بها كانت إليه أسرع من السيل إلى منحدر فتحت له أبواب الوساوس فيما يسمعه ويراه ويعطاه. ويفتح له الشيطان فيها من المناسبات البعيدة والقريبة في اللفظ والمعنى ما يفسد عليه دينه وينكد عليه عيشه. فإذا سمع سفرجلا أو أهدي إليه تطير به، وقال سفر وجلاء. وإذا رأى ياسميناً أو سمع به تطير به وقال يأس ومين، وإذا رأى سوسنة أو سمعها قال سوئ يبقى سنة.. وإذا خرج من داره فاستقبله أعور أو أشل أو أعمى أو صاحب آفة تطير به وتشاءم بيومه ). 2 - حياته نكد وكدر وعنت، والمتطير متعب القلب، منكد الصدر، كاسف البال، سيء الخلق، يتخيل من كل ما يراه أو يسمعه، أشد الناس خوفاً، وأنكدهم عيشاً، وأضيق الناس صدراً، وأحزنهم قلباً، كثير الإحتراز والمراعاة لما لا يضره ولا ينفعه، وكم قد حرم نفسه من حظ، ومنعها من رزق وقطع عليها من فائدة. 3 - صاحبه دائماً في المؤخرة، صاحبه لا يرتقي نحو تحسين أحواله، وتصحيح مفاهيمه، ومعرفة نقاط الضعف من القوة في جميع تصرفاته، فإذا أخفق في تجارة أو أصيب بمصيبة أو تجمد في وظيفة أرجع هذا كله لسوء الحظ، وبالتالي لا يرجع إلى نفسه والتي بإمكانه أن يصحح مسارها ويتدارك ما قصر فيه، بل يبقى كئيباً كسيفاً عاجزاً، في مؤخرة الركب، لا يعرف التطور ولا يرغب في التغيير، ولا يسعى لمعرفة الأسباب فضلاً أن يأخذ بها. 4 - النظرة الحادة للناس، نظرته للآخرين قاسية، يحكم عليهم دون رعايةٍ منه للظروف، أو تحرٍ للعدالة والإنصاف، فيعمى عن جدهم واجتهادهم وصبرهم ومثابرتهم وجميع حسناتهم، وينسج حولهم بخياله ما يشتهيه من الأخطاء والنقائص، ويحمل كلامهم تفسيرات من نفسه ليس لها أصول ولا قواعد ولا متعلقات، ويعتبر نفسه دائماً هو الضحية. 5 - يرى أن أسباب الشقاء انعقدت فيه، فيتصور أن الناس كل الناس يعيشون حياة السعادة كل السعادة دون تعب ولا كدر ولا حزن ولا هم ولا نصب. وأن جميع هذه الأشياء قد اجتمعت فيه. وما علم هذا القائل لنفسه أن هذه الحياة طبعت على كدر وعنت يستوي فيها الغني والفقير، والعظيم والحقير، والصغير والكبي

المزيد


الجور بالقول((1))

أكتوبر 4th, 2008 كتبها عبدالرحمن السمان نشر في , خطب ومحاضرات


محاضرة للشيخ سعد البريك

الحمد لله القائل في محكم كتابه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المائدة:8] وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة، وجاهد في الله حق جهاده، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد: فيا عباد الله.. اتقوا الله تعالى حق التقوى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]. معاشر المؤمنين.. إن العدل والإنصاف في هذا الزمان بات عزيز المنال لدى الكثيرين إلا من رحم الله وقليل ما هم، فالمسلم مأمور أن ينصف من نفسه ومأمور أن يعدل في قوله وحكمه وفعله، لا أن تأخذه الحمية أو العاطفة، أو يغلبه التقليد والتبعية، أن يرى ما يراه الآخرون، أو يصدق ما ينقله الناقلون من غير دليل وبرهان فيكون كما قال القائل:
وما أنا إلا من غزية إن غـوت غويت وإن ترشد غزية أرشد
بل الواجب العدل في كل حال، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وأمور الناس إنما تستقيم في الدنيا مع العدل، الذي قد يكون فيه الاشتراك في بعض أنواع الإثم أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق وإن لم يشترك في إثم، ولهذا قيل: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة. ويقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر، ولا تدوم مع الظلم والإسلام؛ وذلك أن العدل نظام كل شيء، فإذا أقيم أمر الدنيا بالعدل قامت، وإن لم يكن لصاحبها في الدين من خلاق، ومتى لم تقم بالعدل لم تقم وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يجزى به في الآخرة. وفي هذا الزمان -أيها المسلمون- الذي عز فيه العدل والإنصاف، يحتاج المسلم إلى الرجوع إلى منهج السلف ، ليقيس الأمور بمقياس الكتاب والسنة، حيث أصبحت الأهواء هي التي تتحكم بآراء الناس وأقوالهم، حتى أن الإنسان قد يتغاضى عن أخطاء من يحب مهما كانت كبيرة، بل يبررها، بل تتحول هذه الأخطاء إلى محاسن ويجعل محبوبه في أعلى المنازل، ولا يقبل فيه نقداً أو مراجعة، وفي المقابل ترى بعض الناس إذا أبغض أحداً لهوى في نفسه أو تقليداً لغيره، جرده من كل فضائله، ولم ينظر إلى حسناته، أما زلاته فيفخمها وينسى أو يتناسى محاسنه الأخرى مهما كانت بينة، وليس هذا غريباً، وليس غريباً أن توجد العداوات من أهل الأهواء والضلالة، قال ابن الوردي رحمه الله:
ليس يخلو المرء من ضد ولو حاول العزلة في رأس الجبل
وقال الآخر:
لو كنت كالقدح في التقويم معتدلاً لقالت الناس هذا غير معتدل
وقال الثالث:
إن نصف الناس أعداء لمن ولي الأحكام هذا إن عدل
لكن المسلم الذي يحاسب نفسه يزن بميزان الشرع ويحكم بالقسط، إن سيئات الفرد لا تمنع ذكر حسناته، إن سيئات المجتمع لا تمنع ذكر حسناته، إن سيئات الدولة لا تمنع ذكر حسناتها، وإن حسنات الفرد أو المجتمع أو الدولة لا تمنع من إصلاح سيئاتها، إذا كان سياقها لمصلحة على وجه النصيحة لا التعيير، وعلى وجه الإرشاد لا الشماتة، ما لم يبلغ الفساد والخلل حد الكفر، فليس بعد الكفر ذنب ولا ينفع مع الكفر حسنة. ……

العدل والإنصاف في القرآن

أيها المسلمون.. إن المتأمل لكلام الله جل وعلا يجد تمام العدل في الحكم، وكمال الإنصاف في القول، فهؤلاء النصارى على الرغم من ضلالهم المبين في مسألة التوحيد، إلا أن الله سبحانه بين أن منهم من يؤدي الأمانة قال تعالى: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ [آل عمران:75] وعلى الرغم من الآيات التي جاءت بقتال الكفار، إلا أن الله شرع الكف عمن لم يقاتل، ولم يشرد أو يتسبب في تشريد الآمنين، قال تعالى: لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الممتحنة:8-9].

السرعة في إطلاق الأحكام

أيها الأحبة.. العجب كل العجب مما نراه اليوم ونسمعه من التسرع في إطلاق الأحكام، من التسرع في الحكم على الأمور قبل بحثها وإدراك أبعادها ومضامينها، وأسوء من هذا خوض الصغار في المعضلات، وخوض الجهلة في المشكلات، خوض الكثير في المعضلات بغير علم، فتجد النازلة المحيرة التي تتزاحم فيها المفاسد والمصالح وتتقابل، وتنوء بها عقول الجهابذة من العلماء، سرعان ما ترى صغيراً أو قليل علم يتحدث فيها برأي أو هوى، وأسوء من هذا أن يعيب الجاهل العالم، أو ينتقد القاصر الوافر بحكمته وتجربته، قاصر قليل التجربة ينتقد عالماً وافراً في حكمته وتجربته، فترى صوراً من التطاول وألواناً من التقدم بين يدي العلماء، ناهيك عن الخوض في أعراضهم، فيا سبحان الله! كيف يتجرأ صغير على كبير، وجاهل على عالم؟!
إذا عير الطائي بالبخل مادرٌ وعير قساً بالفهاهة باقل

وطاولت السحب السماء سفاهة وفاخرت الأرض الحصى والجنادل

وقال السهى للشمس أنت ضئيلة وقال الدجى يا صبح لونك حائل

فيا موت زر إن الحيـاة ذميمة ويا نفس جدي إن دهرك هازل
وأسوء من هذا أن تجد الفئام من الطغام، يردون الوحل والسبخات، ويتركون الأنهار العذبة الزلالة من علمائهم الذين لا يشك في ورعهم وصلاحهم وتقواهم، فهل يجد هؤلاء الطغام غناءً عند أولئك الجهلة؟
متى تصل العطاش إلى ارتواء إذا استقت البحار من الركايا

ومن يثني الأصاغر عن مراد إذا جلس الأكابر في الزوايا

وإنّ ترفع الوضعاء يوماً على الرفعاء من أقسى البلايا

إذا استوت الأسافل والأعالي فقد طابت منادمة المنايا

أسباب الجور في القول والتسرع في الحكم

Real Palyer الاستماع بواسطة

لو تأملنا هذه المسألة حق تأملها وهي الجور في القول والتسرع في الحكم بلا علم ولا حلم وحكمة وتجربة لوجدنا لهذا أسباباً.. ……

تفلت اللسان والعجلة بالقبول والرد

أولها: تفلت اللسان والعجلة بالقبول والرد، وقد نسي ذلك المتسرع قول الله: مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:18] ونسي قول الله: وَلا تَقْفُ أي: لا تتبع ولا تتبع وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْف

المزيد


خطبة عيد الفطر لعام 1429هـ

أكتوبر 4th, 2008 كتبها عبدالرحمن السمان نشر في , خطب ومحاضرات

خطبة عيد الفطر لعام 1429هـ
للشيخ حامد العلي
اسمع الخطبة من هنا 
نزل من هنا mp3
نزل من هنا rm
 
بشائر النهضــة الإسلامية الظافرة ، ومبشــرات  العودة الحضارية الباهرة
 
 
الحمد لله والله أكبر كبيرا ،
 
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر،الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلاالله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد،

الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة ، وأصيلاً،

 
سبحان ذي الجبروت ، والملكوت ، والعظمـة ، والكبرياء ، والله أكـبر عدد الأموات والأحياء ، وعـدد ما في الأرض ، وما في السـماء.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، المتفرِّد بالخلق والإنعام ، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله ، عليه أفضل الصلاة وأتم السلام …
 
الحمد لله علمنا الهدى والقرآن والإسلام ، وهدانا للصلاة والزكاة والصيام ، وأتم لنا هذا الشهر الكريم ، ورزقنا فيه من فضله العظيـم.

وها هو رمضـان قـد ارتحـل ، ولكنه في قلوب الصالحين لم يزل ، وذهب وهـو في قلوب المؤمنيـن أغلى من قناطيـر الذهـب
 
ارتفع رمضان وقـد حمل معه حسنات المحسنين ، وبكاء التائبين ، وأنين المنيبين .

ورحـل وقد طوى فيه قصصَ القائمين ، وتقلبَ العاكفين ، واستغفارَ المستغفرين ، وتلاوةَ التالين ، وجودَ المتصدقيـن ، وشكر الشاكرين .
 
ذهب وقد حمل معه الأعمال الصالحـات ، وآثاره الباقيات .

ترحَّلَ الشَّهرُ –وا لهفاهُ – وانصَرَمَا *** واختُصَّ بالفوزِ في الجنَّاتِ من خَدَمَا

والفائز فيه من سجل في الرابحين , والخاسـر فيه قد خسر الخسران المبين .
 
ونسأل الله تعالى أن يتقبل منا ما آتانا فيه من العمل ، ويغفـر لناولكم ما وقع من التقصير والزلل .
 
أيها المسلمون ، يطـل علينا هذا العيـد بمبشِّـرات النهضة في أمّتنا ، وبشائر العودة لديننا ووحـدتنا ،
 
في وقـت نرى عدوَّنا يألم ، أشـدّ مما نألـم ، وقد أثقلته الأزمات ، وعادت عليه مكائـدُه بالنكـبات ، فالأزمة الإقتصادية به تعصـف ، وعدوانه قـد عاد عليه يقصـف.
 
غير أنَّ أمَّتنا بحاجة إلى أن تتذكـَّـر ثلاثة أمـور ، لا مناص لها من التمسك بها ، إن أرادت عودة مجدها ، ورجوع عـزّها ،
 
أحدها : الإستمساك بالعروة الوثقى التي وصفها الله تعالى بقوله : ( فمن يكفر بالطاغوت ، ويؤمن بالله ، فقد استمسك بالعروة الوثقى لاإنفصام لها ،والله سميع عليم)
 
وإذا كانت لاانفصام لها ، فلا تنفصـم أمّـة عن العـز إنْ تمسّكـت بها .
 
فهذه الآية الجليلة قد بيَّنت ، أن أعظم أسباب الفلاح ، هـو الكفر بالطاغوت ، والطاغـوت : اسـم لكلِّ معبود من دون الله تعالى ، ولكلِّ منهج لايتحاكـم إلى الله ، ولكلِّ راية ، أو كيان ، أو فرد ، أو جماعة ، تتنكَّـب شريعة الله تعالى .
 
وهذا الكفر بالطاغوت لازم لنظام التوحيد والإيمـان ، لايصـح الإيمان بالله تعالى إلاَّ معـه ، الإيمان بالله تعالى ربا لا ربَّ سواه ، ومعبوداً لامعبودَ غيرُه ، ومتحاكما إليه لاحكمَ إلاَّ هـو سبحانه .
 
هذا واعلموا أن أعظم الهجوم الشيطاني ، من شياطين الإنس والجن ، في كلِّ عصـر ، وفي هذا العصـر ،  إنما هو على هذا الأصـل الأكبر ، والركن الأخطـر ، فهم يحاولون إلغاء الكفر بالطاغوت من عقيدة المسلمين ، لإزالة الإيمان بالله تعالى من قلوبهم.
 
والثانـي : إجتماع الأمّـة كلُّها تحت راية واحدة ، وشيجتها الأخوَّة الإسلامية ، ورابطتها العلاقة الإيمانيّة ، لاتفرِّق بينهم الوطنيّات ، ولا الجنسيّات ، ولا القبليّات ، ولا الحزبيات ، ولا سائر التعصّبات ، كما قال تعالى ( إنما المؤمنون إخوة ) .
 
 وذلك إنمّـا يتم في نظام الخلافة الإسلامية الذي كان سور الأمة الحصين ، ودرعها المتين ، فإعادتها فرضٌ على المسلمين ، وعودتها هـي عـزُّ المؤمنين .
 
والثالث : امتثال قوله تعالى ( واعدُّوا لهم ما استطعتم من قوّة ، ومن رباط الخيل ، ترهبون به عدوّ الله ، وعدوّكم ، وآخرين من دونهم ، لاتعلمونهم ، الله يعلمهم )
 
  فلا عـزَّ لأمِّة هـي عالة على غيرها في الدفاع عن نفسها ، ولا كرامة لها وهي تستجدي مصادر قوِّتها من سواها .
 
هـذا ..وإن أسباب القوة أربعة أسباب :
 
أحدها : النظام السياسي العادل الذي ينبثق من إرادة الأمة الحـرّة ، وينوب عنها في تحقيق أهدافها ، وضـدّ هذا : الأنظمة البوليسية المستبدَّة ، المتسلِّطة على أمّتنا ، التي تحكم بوسائل التخويف ، والإذلال ، فأضاعت أمتنا ، وسلطت عليها أعداءها ، وربت فيها الذل ، والخوف ، والهوان ؟
 
وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( أخوف ما أخاف على أمِّتي حيف السلطان ) رواه الإمام احمد وغيره .
 
والثاني : الأمّـة الشجاعة الحيَّة ، المعـتزَّة بخصوصيِّة الهويـَّة ، وضدها الأمة التي استمرأت الذل ،ورضيت بهيمنة الأجنبـي ، وزهدت في الكرامة ، وأخلدت إلى شهوات الدنيـا ؟

المزيد


ياباغي الخير أقبل فقد أقبل رمضان محمد حسان

يوليو 18th, 2008 كتبها عبدالرحمن السمان نشر في , خطب ومحاضرات, رمضان نور ...وايمان

ياباغي الخير أقبل فقد أقبل رمضان محمد حسان

 

بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونعوذ بالله العظم من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلامضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أما بعد..

أيها الأحبة الكرام .. ضيف كرم عزيز قد أهل علينا بأنفاسه الخاشعة الزكية وبرحماته المباركة الندية امتنَّ الله جل وعلا به على أمة خير البريَّة محرومٌ والله من أقبل عليه شهر رمضان ثم انسلخ هذا الشهر الكرم قبل أن يغفر له الرحمن الرحيم ..

أوصي نفسي وأحباب قبل حلول هذا الشهر الكريم بأيامٍ قلائل بهذه الوصايا ..

الوصية الأولى .. لاتحرم نفسك من رحمة الله وعظيم فضله في هذا الشهر الكريم فإن المحروم من حُرِم من رحمة الله في رمضان إن لم يرحمك الله في رمضان فمتى؟! وإن لم يغفر الله لك في رمضان فمتى؟! وإن لم تتب وترجع إلى الله في رمضان فمتى؟!

أيها المسلم .. لقد ورد في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أقبل شهر رمضان يقول: -( أتاكم شهر رمضان شهر مبارك فرض الله عليكم صيامه تفتح فيه أبواب الجنة وتغلق فيه أبواب الجحيم وتغل فيه مردة الشياطين وفيه ليلة هي خير من ألف شهرمن حُرِم خيرها فقد حُرِم )-

أيها المسلم .. لاتضيع هذا الموسم وهذه الفرصة الطيبة وهذه الرحمات القيمة الت امتن بها ربنا على أمة خير البرة صلى الله عليه وسلم قال النب صلى الله عليه وسلم: -( من صام رمضان إيماناً واحتساباً غُفِر له ماتقدم من ذنبه )-

وقال صلى الله عليه وسلم: -( من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباٍ غُفِر له ماتقدم من ذنبه )-

أيها المسلمون.. هذا غيط من فيض هذا فضل الله على هذه الأمة الميمونة هذه رحمات الله لهذه الأمة المرحومة والله محروم من أتى عليه رمضان ثم انسلخ رمضان ولم يجد نفسه إلا في فريق الخاسرين النادمين ممن ضيعوا الأعمار أمام المسلسلات  والأفلام وفي معصية الله جل وعلا ففي الحديث الصحح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: -( رغم أنف عبدٍ أدرك رمضان ثم انسلخ رمضان ولم يغفر له )- تعرض للذل والمهانة هذا الذي بلغه الله رمضان ثم انقضى رمضان ولم يغفر الرحمن لهذا العبد العاصي البعيد المنحرف عن طاعة الله وعن رحمته في هذا الشهر الكريم فيا أيها المسلم ويا أيتها المسلمة أذكر نفسي وأحبابي لاتحرم نفسك من رحمة الله جل وعلا وعظيم فضله في هذا الشهر الكريم..

الوصية الثانية .. الله الله في الصلاة في بيوت الله جل وعلا أيها المسلم يامن أعانك الله على الصيام وبلغك رمضان والله لاأرضى لك أن تحرم نفسك من الطعام والشراب وأنت مضيِّع للصلوات في بيت الله الصلاة صلة لك بالله الصلاة تطهير لك من الذنوب والسيئات ولذا ماأمرك الله بها على سبيل الوجوب إلا أنها تدلك على جميع الخيرات قال تعالى:

_** حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين **_ وقال تعالى: _** قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى **_

الصلاة أيها الصائمون يامن تصومون وتضيعون الصلاة اعلموا بأن الصلاة هي أول أركان هذا الدين بعد لا إله إلا الله الصلاة الصلاة في رمضان خاصة وفي غير رمضان عامة فإننا نرى كثيراً ممن يدينون بالإسلام يضيعون الصلاة حتى في رمضان وقد توعد الله بأشد الوعيد ورهب بأشد الترهيب لمن ضيع الصلاة فقال تعالى: _** فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيّاً **_ والغي واد في جهنم أعاذنا الله وإياكم من حرها ..

يامن ضيعتم الصلاة الله الله في الصلاة واجعلوا رمضان فرصة طيبة للتوبة والأوبة إلى الله فلا تضيع فرضاً لله في بيت الله في رمضان وإن ذقت الحلاوة وعرفت فالزم واستمر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: -( قل آمنت بالله واستقم )- فاستقم يامن منَّ الله عليك بالطاعة يامن منَّ الله عليك بالصلاة لاتضيعها في رمضان واستمر على هذا الدربالمستقيم والمميز ويامن ضيعت الصلاة فهاهو رمضان قد أقبل فتب إلى الله وعد إليه واعلم بأن المصطفى قال: -( بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة )- فجل الصائمين إلا من رحم الله يضيع صلاة العصر بعد أن عاد من العمل فحافظ على صلاة العصر ولا تضيع صلاة الفجر ولا اضيع صلاة العشاء وحافظ على صلاة القيام فمن قام رمضان ايماناً واحتساباً غفر له ماتقد من ذنبه ..

أيها المسلم .. صلاة الجماعة سنة المصطفى فقد قال ابن مسعود رضي الله عنه: [ من سره أن يلقى الله تعالى غداً مسلماً فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن فإن الله قد شرع لنبيكم سنن الهدى وإنهن من سنن الهدى ولو أنكم صليتم في بيوتكم كالمتخلف الذي يصل في بيته لتركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم ولقد رأيتنا ومايتخلف نها إلا منافق معلوم النفاق ولقد رأيتنا يؤتى بالرجل يهادى بين الرجلين _ أي يتمايل _ حتى يقام الصف ] قال النبي صلى الله عليه وسلم : -( تحترقون تحترقون فإذا صليتم الفجر غسلتها ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم الظهر غسلتها ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم العصر غسلتها ثم تحترق

المزيد


لماذا نصوم ؟

يوليو 18th, 2008 كتبها عبدالرحمن السمان نشر في , خطب ومحاضرات, رمضان نور ...وايمان

لماذا نصوم ؟

محمد حسان

 

 

أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله و خير الهدي هدي نبينا محمد صلى الله عليه و سلم و شر الأمور محدثاتها و كل محدثة بدعة و كل بدعة ضلالة و كل ضلالة في النار ثم أما بعد، فحياكم الله جميعاً أيها الإخوة الأخيار و أيتها الأخوات الفاضلات و طبتم و طاب ممشاكم و تبوأتم جميعاً من الجنة منزلا ، و أسأل الله الكريم الحليم جل و علا الذي جمعنا في هذا اليوم المبارك في هذا البيت المبارك على طاعته أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة و إمام النبيين في جنته و دار مقامته إنه ولي ذلك و مولاه. أحبتي في الله لماذا نصوم ؟ هذا هو عنوان لقائنا مع حضراتكم في أول جمعة من شهر رمضان و حتى لا ينسحب بساط الوقت سريعاً من تحت أقدامنا فسوف ينتظم جوابي على هذا السؤال المهم في العناصر و المحاور المحددة التالية:

أولاً: الصيام فرض و حقٌ لله على المؤمنين.

ثانياً: لعلكم تتقون.

ثالثاً: الصيام ينزل العبد منزلة الإحسان.

رابعاً: الصيام غذاء للروح و حياة للقلوب.

خامساً: الصيام مدرسة للتربية و التزكية للنفس.

سادساُ: الصيام يجدد في الأمة روح الأخوة و الألفة و الوحدة.

سابعاُ: الصيام مغفرة للذنوب.

ثامناً: الصيام سبب للفوز بالجنة و النجاة من النار.

تاسعاً: الصيام يجدد الإيمان في القلب.

و أخيراً: موسم الطاعات لا تضيعوه.

 

فأعيروني القلوب و الأسماع و أسأل الله أن يبارك لنا في وقتنا في هذه الساعة و في كل ساعة لأعرج سريعاً على هذه المحاور و العناصر و إلا فأنا أدع رزقكم للرزاق جل و علا.

أولاً: الصيام فرض و حقٌ لله على المؤمنين:

قال تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ } و جمهور المفسرين على أن لفظة (كتب) بمعنى فرض، فالله جل و علا فرض الصيام على من حققوا الإيمان بالله و برسول الله صلى الله عليه و سلم و في الصحيحين من حديث بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه و سلم قال: [ بني الإسلام على خمس، شهادة أن لا إله إلا الله و أن محمداُ رسول الله، و إقام الصلاة، و إتاء الزكاة، و صوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا ]، و في صحيح مسلم من حديث أنس قال: كان يعجبنا أن يأتينا الرجل العاقل من البادية ليسأل رسول الله صلى الله عليه و سلم و نحن نسمع بعد ما نهوا أن يسألوا رسول الله، [ كنا نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه و سلم فكان يعجبنا أن يأتينا الرجل العاقل من البادية ليسأل رسول الله صلى الله عليه و سلم و نحن نسمع فجاء رجل من الأعراب من البدو فقال: يا محمد، أتانا رسولك فزعم أنك تزعم أن الله أرسلك]. لغة قاسية و لهجة بدوية شديدة لكن صاحب الخلق لا يغلظ القول و إنما يستقبل هذا القول الغليظ بصدره الرحم، فيقول الأعرابي  [ يا محمد أتانا رسولك فزعم أنك تزعم أن الله أرسلك ] فرد صاحب الخلق عليه بخلق و قال له [ صدق ]، صدق رسولي، فقال له هذا الأعرابي [ يا محمد من الذي خلق السماء؟ قال: الله، قال الأعرابي: و من الذي خلق الأرض؟ قال المصطفى: الله، قال الأعرابي: و من الذي نصب الجبال و جعل فيها ما جعل؟ قال النبي: الله، فقال الأعرابي العجيب: فبالذي رفع السماء و خلق الأرض و نصب الجبال و جعل فيها ما جعل ءالله أرسلك؟ فقال النبي: نعم. قال: فبالذي، أسألك بالذي رفع السماء و خلق الأرض و نصب الجبال و جعل فيها ما جعل هل فرض الله علينا خمس صلوات في اليوم و الليلة؟ قال: نعم. قال: أسألك بالله الذي أرسلك هل فرض الله علينا صيام شهر أو صيام شهر رمضان؟ قال: نعم ... إلى آخر الحديث. فالرسول صلى الله عليه و سلم يبين لنا في هذين الحديثين أن الله جل و علا قد فرض على من ءامن بالله و ءامن برسول الله صوم شهر رمضان، { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ } فالصيام فرض و حقٌ لله على كل من وحد الله و آمن بالحبيب رسول الله. روى البخاري و مسلم من حديث معاذ رضي الله عنه قال: كنت رديف النبي صلى الله عليه و سلم يوماً على حمار فقال النبي صلى الله عليه و سلم لمعاذ: يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد؟ و ما حق العباد على الله؟ قال معاذ: الله و رسوله أعلم، فقال النبي: حق الله على العباد أن يعبدوه، أن يعبدوه و لا يشركوا بالله شيئاً، و حق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئا. فقال معاذ بن جبل: أفلا أخبر الناس، أفلا أبشر الناس بها يا رسول الله؟ قال: لا تبشرهم فيتكلوا. فأخبر بها معاذ بن جبل عند موته تأثما - أي خشية أن يقع في الإثم - لكتمانه العلم عن الصادق الذي لا ينطق عن الهوى. فالصوم من أسمة العبادات و العبادة حقٌ لله على عبيده الذين وحدوه و آمنوا بنبيه صلى الله عليه و سلم.

 

ثانياً: لعلكم تتقون:

لقد بين الله الغاية من الصوم فقال جل و علا { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } التقوى ليس أمراً على هامش الحياة بل إن التقوى هي غاية الغايات فإذا كانت العبادة هي الغاية التي من أجلها خلق الله السماوات و الأرض و الجنة و النار بل و خلق الله من أجلها الخلق جميعاً، قال سبحانه { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ } فإذا كانت العبادة هي الغاية من الخلق فإن التقوى هي الغاية من العبادة، قال جل و علا { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } إذا فالعبادة هي الغاية من خلق الخلق و التقوى هي الغاية من كل ألوان العبادات. فما هي التقوى؟ التقوى أيها الأفاضل هي الاسم من اتقى و المصدر الإتقاء و كلاهما مأخوذ من مادة وقى فالوقاية حفظ الشيء مما يؤذيه و يضره فأصل التقوى أن يجعل العبد و بين غضب الله و سخط الله و عذاب الله وقاية تحفظه و تمنعه، هذه الوقاية هي فعل الطاعات و اجتناب المعاصي، هي امتثال الأمر و اجتناب النهي، هذه حقيقة التقوى لذا سأل سائل أبا هريرة رضي الله عنه و قال: يا أبا هريرة ما التقوى؟ فقال أبو هريرة رضي الله عنه للسائل: هل مشيت على طريق فيه شوك؟ قال: نعم، قال أبو هريرة: فماذا فعلت؟ قال السائل: كنت إذا رأيت الشوك اتقيته - أي ابتعدت عنه -، فقال أبو هريرة: ذاك التقوى. فأخذ بن المعتز هذا الجواب البليغ و صاغه صياغة أدبية معبرة فقال: خلي الذنوب صغيرها و كبيرها فهو التُقى و اصنع كماشٍ فوق أرض الشوك يحذر ما يرى لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى. و عرف التقوى بن حبيب فقال رحمه الله: التقوى هي أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله و أن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله. و التقوى هي وصية الله لكل الخلق من لدن آدم إلى أن يرث الأرض و من عليها فقال جل و علا { وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ }، و التقوى هي وصية الحبيب المحبوب صلى الله عليه و سلم لجميع أمته ففي الحديث الذي رواه الترمذي و أبو داوود و غيرهما بسند صحيح من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه و سلم موعضة بليغة وجلت منها القلوب و ذرفت منها العيون فقلنا كأنها موعظة مودع فأوصنا يا رسول الله، فقال - صلى الله عليه و سلم - : أوصيكم بتقوى الله، أوصيكم بتقوى الله - أي بامتثال الأمر و اجتناب النهي أي بفعل الطاعات و اجتناب المعاصي - و لما أخذ النبي حبيبه معاذ بن جبل، نعم فمعاذ حبيب رسول الله بل أقسم النبي صلى الله عليه و سلم و هو الصادق الذي لا يحتاج إلى أن يقسم أقسم لمعاذ أنه يحببه، أخذ بيده يوماً و قال: يا معاذ والله إني لأحبك. يا لها من كرامة، انتبه فالذي يقسم هو الصادق فليس القسم من معاذ، يعني ليس القول من معاذ ( يا رسول الله والله إني لأحبك ) و إنما رسول الله هو الذي يقول لمعاذ: يا معاذ والله إني لأحبك، قال: بأبي أنت و أمي يا رسول الله و والله إني لأحبك. قدمت بهذا لتعلم أنها وصية محب لحبيبه ففي سنن الترمذيو غيرها بسند حسن أن النبي صلى الله عليه و سلم أوصى معاذ بن جبل رضي الله عنه فقال: يا معاذ اتقِ الله حيثما كنت، اتقِ الله حيثما كنت و أتبع السيئة الحسنة تمحها و خالق الناس بخلق حسن. و في مسند أحمد بسند حسن أن أبا سعيد الخدري رضي الله عنه قال للحبيب النبي صلى الله عليه و سلم: أوصني يا رسول الله، فقال رسول الله: أوصيك بتقوى الله فإنها رأس كل شيء، و في لفظ: عليك بتقوى الله فإنها رأس كل خير. و أصى بها سلفنا الصالح بعضهم البعض أصى بها الصديق عمر بن الخطاب. و أوصى بها عمر بن الخطاب ولده عبد الله و قال: يا بني أوصيك بتقوى الله فإنه من اتقاه وقاه و من أقرضه جزاه و من شكره زاده فاجعل التقوى نصب عينيك و جلاء قلبك. و أوصى بها عمر بن عبد العزيز أحد إخوانه فقال له: أوصيك بتقوى الله التي لا يقبل غيرها و لا يرحم إلا أهلها و لا يثيب إلا عليها فإن العاملين بها قليل و إن الواعظين بها كثير جعلنا الله و إياكَ من المتقين. و أنا أسأل الله أن يجعلنا من الواعظين بها العاملين بها إنه ولي ذلك ومولاه. و أوصى ابن السماك ذلكم العالم السائل أحد إخوانه فقال له: أوصيك بتقوى الله الذي هو نجيك في سريرتك و رقيبك في علانيتك فاجعل الله من بالك على كل حالك في ليلك و نهارك، اجعل الله من بالك على كل حالك في ليلك و نهارك و خف من الله بقدر قربه منك و قدرته عليك و اعلم أنك بعينه لا تخرج من سلطانه إلى سلطان غيره و لا من ملكه إلى ملك غيره فليكثر منه وجلك فليعظم منه حذرك و ليكثر منه وجلك. فالتقوى أيها الأفاضل هي غاية الغايات ما فرض الله علينا الصيام شهرنا كاملاً إلا لنخرج من هذه المدرسة الرمضانية المباركة إلا لنخرج منها بتقوى الله جل و علا.

 

ثالثا: الصيام ينزل العبد منزل الإحسان:

ما الإحسان؟ قال رسول الله في جوابه على جبريل في الحديث الطويل الذي رواه مسلم و غيره من حديث عمر بن الخطاب و فيه سأل جبيرل نبينا الجليل عن الإسلام و الإيمان و الإحسان، فقال جبريل: ما الإحسان؟ قال الحبيب: الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك. أيها الحبيب إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت و لكن قل علي رقيب و لا تحسبن الله يغفل ساعة و لا أن ما تُخفي عليه يغيب. فالإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فاعلم يقيناً أنه يراك، قال جل و علا { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذ

المزيد


التالي