رمضان موسم الطاعات (1)
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهديه الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله أدى الأمانة وبلغ الرسالة ونصح للأمة فكشف الله به الغمة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين فاللهم أجزه عنا خير ما جزيت نبيا عن أمته ورسولا عن دعوته ورسالته وصلي اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه وعلى كل من اهتدى بهدية واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين….
أما بعد فحياكم الله جميعا أيها الآباء الفضلاء وأيها الأخوة الأحباب الكرام الأعزاء وطبتم وطاب ممشاكم وتبوأتم جميعا من الجنة منزلا، وأسأل الله العظيم الكريم جل وعلا الذي جمعنا في هذا المكان الطيب في هذا اليوم الطيب الكريم المبارك على طاعته أن يجمعنا جميعا هكذا مع سيد النبيين في جنته ودار كرامته إنه ولي ذلك والقادر عليه….
أحبتي في الله…. رمضان موسم الطاعات هذا هو عنوان لقاءنا مع حضراتكم في هذا اليوم الكريم الميمون المبارك في يوم الجمعة الذي وافق أول أيام هذا الشهر الكريم ضيف يحل علينا بأنفاسه الخاشعة الزكية، ضيف يقبل علينا ويقبل معه الخير كله، ولم لا وهو شهر الرحمات، ولم لا وهو شهر البركات، ولم لا وهو شهر تكفير الذنوب والسيئات، ولم لا وهو شهر الصيام والقرآن، ولم لا وهو شهر الجود والإحسان، ولم لا وهو شهر العتق من النيران، أسأل الله أن يعتقنا وإياكم من النار وأن يجعلنا وإياكم من الفائزين في هذا الشهر الكريم إنه على كل شيء قدير…
أيها الأحبة الكرام… وكما تعودنا حتى لا ينسحب بساط الوقت من بين أيدينا سريعا فسوف أركز الحديث مع حضراتكم في العناصر التالية :
أولا – رمضان شهر الخير والبركة
ثانيا _ رمضان شهر القرآن
ثالثا _ رمضان شهر القيام
رابعا _ رمضان شهر الإنفاق والإحسان
خامسا_ رمضان شهر التوبة
فأعرني قلبك وسمعك أيها الحبيب والله أسأل أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك اللذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب …
أولا _ رمضان شهر الخير والبركة
كما في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد والبيهقي والنسائي من حديث أي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أقبل شهر رمضان يقول “” أتاكم شهر رمضان ، شهر مبارك فرض الله عليكم صيامه ، تفتح فيه أبواب الجنة وتغلق فيه أبواب الجحيم وتغل فيه مردة الشياطين وفيه ليله هي خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم “” وفي صحيح البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ذلك أنه صلى الله عليه وسلم قال : “” إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة “”
وفي رواية مسلم “” إذا جاء رمضان فتحت أبواب الرحمة “”
وفي رواية الترمذي “” إذا كان أول ليلة من رمضان غلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب ، وفتحت أبواب الجنة فم يغلق منها باب وينادي مناد يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر ولله في كل ليلة من رمضان عتقاء من النار وذلك حتى ينقضي رمضان “”
اللهم اجعلنا من عتقاءك من النار في هذا الشهر الكريم يا عزيز يا غفار، ولله في كل ليلة من رمضان عتقاء من النار وذلك حتى ينقضي رمضان …
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال : قال الله تعالى في الحديث القدسي (( كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به )) والصيام جنة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا صخب فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم إني صائم ، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك وللصائم فرحتان يفرحهما إذا أفطر فرح بفطره وإذا لقي ربه فرح بصومه “”
اللهم متعنا بالنظر إلى وجهك الكريم وفرحنا يوم لقاءك يا أرحم الراحمين …
وللصائم فرحتان يفرحهما إذا أفطر فرح بفطره فرح أن يسر الله له الصيام فصام فرح أن أعانه الله على الصيام فصام ، وإذا لقي ربه جل وعلا فيفرح الفرحة الكبرى التي لا شقاء بعدها أبدا ولا حزن بعدها أبدا فيتمتع بالنظر إلى وجه ربه الكريم وإن يسر الله له بذلك سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدا ، نسأل الله أن ينظر وجوهنا بالنظر إلى وجهه الكريم إنه على كل شيء قدير …
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال “” من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه “”
من صام رمضان إيمانا أي إيمان بالله جل وعلا ، واحتسابا للفضل والأجر من عند الله عز وجل ، من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه أبشر أيها الموحد أبشر أيها الصائم لله في رمضان ..
ومما زادني فخــرا وتيــــها
وكدت بأخمصي أطأ الثريا
دخولي تحت قولك يا عبادي
وأن أرسلت أحمد لي نبيـــا
يا من جاذبتك أشواك المعاصي قبل رمضان يا من زلت قدمك في بؤر الذنوب قبل رمضان ، هاهو شهر الطهر قد جاء هاهو شهر الرحمة قد أهل عليك ، هاهو شهر المغفرة قد أقبل عليك فهيا ضع جبينك وأنفك في التراب ذلا لمولاك واطرح قلبك بانكسار بين يدي العزيز الغفار وقل له : يارب يا رب يا رب قل له يا رب فرطت في ما مضى وضيعت في ما مضى اعترف له بذنبك وقل
أنا العبــــــد الذي كسب الذنوبــــا وصدته الأماني أن يتوبـــــــا
أنا العبــــد الذي أضحى حزينــــا علــــى زلاته فزعا كئيبـــــــا
أنا العبد المســـــيء عصيت سرا فما لي الآن لا أبدي النحيبــــا
أنا العبد المفرط ضــــــاع عمري فلم أرعى الشبيبة والمشيبــــا
أنا العبـــــد السقيم من الخطايـــــا وقد أقبلت ألتمـــس الطبيبـــــا
ويا خجلاه من قبح اكتسابــــــــي إذا ما أبدت الصحف العيوبــا
ويا حزناه من حشري ونشــــري بيوم يجــــعل الولدان شيبـــــا
ويا خوفـــاه من نــــــار تلظـــــى إذا زفرت وأفزعـــــت القلوبا
ألا فاقلـع وتب واجـــــــــــهد وإلا رأينا كل مجتهـــــد مصيبـــــا
وكـــن للصالحين أخــــا وخــــلا وكن في هذه الدنيـا غريبــــــا
وقل أنا العبد الفقير ظلمت نفسي وقـــد وافيت بابـــــكم منيبــــا
وقل أنــــــا المقطـــوع فارحمني وصلني ويسر لي فرجا قريبا
وقل أنا المضطر أرجومنك عفوا ومن يرجو رضاك فلن يخيبا
من صام رمضان إيمانا بالله واحتسابا للأجر من الله جل وعلا غفر له ما تقدم من ذنبه … الله أكبر الله أكبر يا له من فضل والله لا يحرم منه إلا الهالك إلا الخاسر ففي الحديث الذي رواه أصحاب السنن أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: “” رغم أنف عبد أدرك رمضان ثم انسلخ رمضان ولم يغفر له “”"
فمن الآن اصدق الله عز وجل وعاهد الله عز وجل على أن لا ينسلخ رمضان من بين يديك إلا وقد غفر الله عز وجل لك وأنت حريص مقيم على طاعة الله وعلى كل عمل يرضي الله جل وعلا في رمضان وإياك أن تنشط الآن للعبادة فإذا أقبل عليك النصف الثاني من رمضان تكاسلت وانشغلت بالمباريات والمسلسلات والأفلام ، أحذر نفسي وإياك أخي الحبيب وأحذر نفسي وإياك يا أختاه ألا نضيع العمر أمام المسلسلات وأمام الفوازير وأمام الأفلام فقد ضيعنا الأيام قبل ذلك فوالله ثم والله لا نضمن أن نصوم رمضان القادم ، انظر إلى آباءك وأحبابك وأخوانك اللذين كانوا معك في رمضان الماضي أين هم ؟ تركوا الأهل ، تركوا الأحباب ، تركوا الدنيا وهم الآن بين يدي الله يتمنى الكثير منهم أن يرجع يوما إلى الدنيا ليصوم لله أو ليصلي ركعة لله أو ليفتح كتاب الله أو ليتصدق على فقير أو ليزور مسكينا أو ليصل رحمه
قال تعالى : ( وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (98) حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) (المؤمنون:100)
نام هارون الرشيد على فراش الموت فبكى وقال لمن حوله من أصدقائه وأقربائه ووزراءه أريد أن أرى قبري الذي سأدفن فيه فحملوا هارون فنظر إلى القبر وبكى ورفع رأسه إلى السماء وقال : ما أغنى عني مالية ، هلك عني سلطانيه ، ثم رفع رأسه إلى السماء ثانية وقال : يا من لا يزول ملكه أرحم من قد زال ملكه …
رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت ، كلا أنها كلمة هو قائلها ومن وراءهم برزخ إلى يوم يبعثون ، لا أريد أن أطيل مع كل فقرة من فقرات هذا اللقاء لأعرج على بقية العناصر إن شاء الله جل وعلا …
ثانيا _ رمضان شهر القرآن
قال تعالى : ( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ)(البقرة: من الآية185)
أيها الأحبة كان سلفنا الصالح رضي الله عنهم إذا دخل عليهم رمضان فرغوا جل وقتهم لقراءة القرآن حتى قال الزهري : { إذا دخل رمضان فإنما هو لقراءة القرآن ولإطعام الطعام }
وكان إمام دار الهجرة مالك ابن أنس إذا دخل شهر رمضان فرغ جل وقته لقراءة القرآن وترك قراءة الحديث النبوي الشريف ، إقرأوا القرآن لا تضيع الشهر إلا وقد قرأت القرآن على أقل تقدير مرة ، فإن السلف رضوان الله عليهم منهم من كان يختم القرآن في رمضان في كل ثلاث ليال مرة فلا تضيع رمضان إلا وقد قرأت كتاب الله كله مرة على أقل تقدير فإن قرأت القرآن أكثر من ذلك فأنت على خير ، اسمع ماذا قال لك حبيبك المصطفى والحديث رواه الترمذي وصححه الألباني من حديث ابن مسعود قال عليه الصلاة والسلام “” من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنه والحسنة بعشر أمثالها لا أقول الم حرف ، بل ألف حرف ولام حرف وميم حرف “”
وفي صحيح مسلم من حديث أبي أمامه أنه صلى الله عليه وسلم “” إقرأوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه “”
وفي الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم قال :
“” الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة ، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق فله أجران أجر أجر على قراءته وأجر على مشقته وصبره على هذه المشقة “”
وفي الصحيحين من حديث ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم قال : “” لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار ، ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار “”
فيا أيها الحبيب الكريم اجعل لك في رمضان وقتا لقراءة القرآن ضع لنفسك من اليوم برنامجا عمليا للطاعة وأعلى هذه الطاعات في رمضان أن تفرغ جل وقتك لقراءة القرآن ، ووالله لقد هجرت الأمة القرآن في هذه الأيام هجرا مروعا والهجر أنواع كما قال ابن القيم طيب الله ثراه { هجر التلاوة وهجر السماع وهجر التدبر وهجر العمل بأحكامه وهجر التداوي به ويوم أن هجرت الأمة القرآن أذلها الله لمن كتب الله عليهم الذل والذلة ولا عزة ولا كرامة لهذه الأمة إلا إذا عادت من جديد إلى أصل عزها وشرفها إلى كتاب ربها جل وعلا} قال تعالى : ( فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً)(طـه: من الآية124)
وها أنتم ترون الأمة تعيش عيشة الضنك والشقاء في كل مجال من مجالات الحياة يوم أن أعرضت عن كتاب الله ، أسأل الله جل في علاه في هذا اليوم الكريم الأغر المبارك أن يرد الأمة إلى القرآن ردا جميلا إنه ولي ذلك والقادر عليه ..
ثالثا _ رمضان شهر القيام
لا تنشغل بالفوازير ولا المسلسلات ولا بالأفلام ولكن انشغل بطاعة الرحيم الرحمن ففي هذا الوقت من الليل يصلي المسلمون صلاة القيام صلاة التراويح ومن السنة أن لا تنصرف من صلاة التراويح حتى ينصرف الإمام من الصلاة ، لا تصلي ركعتين وتنصرف لتتابع مسلسلا أو فلما من الأفلام ، بل صبر نفسك على طاعة الله ، لقد مضى عمرك وقضيت الساعات الطوال أمام التلفاز قبل ذلك فلا تضيع دقيقة في هذا الشهر كن في كل لحظة في طاعة لله حتى وأنت في عملك انشغل بالأذكار انشغل بكلمة التوحيد انشغل بالصلاة على محرر العبيد لا تضيع دقيقة فليكن لسانك رطبا في كل دقيقة بذكر الله عز وجل يقول صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة “” من قام إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه “”
المزيد