حصار غزّة


الإِجازةُ) الصَّيفيَّةُ.. كَيف نَملأُ الفراغَ؟

يوليو 6th, 2007 كتبها عبدالرحمن السمان نشر في , صيفك على كيفك

المصدر والكاتب/خاص بموقع الالوكة
أقبلَتِ (الإجازة) الصيفيَّة؛ واللهُ -تعالى- وحْدَه أعلمُ بما تَحمِل مِن أقدار وأخبار، أَقبلَتْ والحالُ كما عَهِدْتُه في سابق عَهْدِها، فمِنَ الناس مَن يُودِعُها خَيْرًا وإحسانًا ومنهم غيرُ ذلك، فالله -تعالى- وحْدَه أَعلَمُ مَنِ السعيدُ في هذه الإجازةِ ومَنِ الشقيُّ فيها.
أخي الحبيبُ!
لَيْسَ كلُّ الناس يُدرِكون قيمة العُمْر وأهميَّته، ليس كلُّ الناس يُحسِنون استثمارَ حياتهم استثمارًا يَعُود عليهِم بالرِّيع والفائدة..
لا يا أخي الحبيبُ!
ليس كلُّ الناس أولئكَ.. قليل هُم أولئكَ الذين أدركوا كُنْهَ الحقيقة، وعَرَفوا سِرَّ الوجود، وأقلُّ مِن هذا القليلِ أولئكَ الذين جَعَلوا الدنيا دارَ مَمَرٍّ، لا دارَ مَقرٍّ؛ فهم يَزرَعون ما يَرجُون حَصَاده غداً في الآخِرة.
وَقَدْ كَانُوا إِذَا عُدُّوا  قَلِيلاً        وقد صَارُوا أَقَلَّ مِنَ الْقَلِيلِ
ها هي ذي (الإجازة) الصيفيَّةُ بأيَّامها وليالِيها تَقتَحِم حياتَنا وحياة أبنائنا، ها هي ذي تُخيِّم علَينا بفَراغها الكبير الذي إذا لم نُحسِنْ مَلأَه بالعِلْم وبالعَمَل الصالح فسيَنكَبُّ بآثاره وسلبياته؛ لا يَعْرِف مَعروفاً، ولا يُنكِر مُنكَراً، ولا يَنفَع عندها عَضُّ أصابعِ الندم، ولومُ زماننا والعيبُ فينا.
إن الكثيرَ مِن عباقرة التاريخ على امتداده، والكثيرَ مِنَ الحضاراتِ والأُمَم الناهضةِ لا تَعرِف في حياتها الإجازةَ أو الفراغَ، وإذا ما انتهى العامُ الدارسيُّ وأَقْبَلَ ما يُسَمُّونه الإجازةَ هُرِعوا إلى أعمال أُخرى، ونشاطات جديدة غيرِ ما سَبَق، وهكذا طَبَقٌ عن طَبَقٍ، حتى غَيَّروا وطَوَّروا… وأَجادوا وأَفادوا… وعلا شأنُهم في الأُمَم، وذَكَرَهُمُ التاريخُ فيمَن عنْدَه؛ فإنه الوقت الذي مَتَى ما نظر إليه بأنه الحياة دَفَعَ ذلك إلى الاهتمام به، والتفكيرِ في الاستثمار الأفضل له.
الوقتُ.. والهدفُ:
إذا كانَتِ الأُمَمُ والمجتمَعاتُ مُجْمِعةً على أهميَّة الوقت وأثره الكبير في النهضة والتقدُّم والرُّقيِّ لها؛ فإنها - أي: الأُمَمُ والمجتمَعات - تَختَلِف في نظرتها إليه، وطريقة الاستفادة منه.
فالمسْلِم يَتَميَّز بنظرته للوقت، وكيفية استثماره له عن غَيْره مِن الناس في أُمَم الأرض الكافرة الكثيرة.. الذين لا يُؤمِنون بالآخرة، ولا بالجَنَّة والنار؛ فهُمُ الذين يُسخِّرون كُلَّ أوقاتهِم وأعمارهِمْ لأَجْل دُنياهم وحَسْبُ، وهم كما قال الله تعالى: {يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} [الروم: 7]. أو كما قال قائلهم يُلخِّص نظرتهم للوقت والحياة:
خَذْ مِنَ الدُّنْيَا  بِحَظٍّ        قَبْلَ أَنْ  تَرْحَلَ  عَنْهَا
فَهْيَ دَارٌ لَسْتَ تَلْقَى        بَعْدَهَا  أَطْيَبَ   مِنْهَا

المسلم مُتمّيِّز بنظرته للحياة؛ فهي مُنبثِقة مِن عقيدته وإيمانه؛ فهو المُتيقِّن يَقِيناً لا يُداخِلُه شكٌّ أن الدنيا عَمَلٌ والآخرةَ جزاءٌ، أن الدنيا تَحصِيلٌ والآخرةَ استيفاءٌ، والسَّعِيد مَن أطاع اللهَ والشقيُّ مَن عَصاهُ.

هو يَعلَم حقَّ العِلْم، ويُدرِك تمامَ الإدراك أنه ما خُلِقَ في هذه الدنيا إلا لعبادة الله؛ فهي الغاية مِن وُجوده.
قال الله: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]؛ ليعبدوه -سبحانه- حقَّ العبادة، العبادة بمفهومها الشامل؛ كما عَرَّفَها شيخُ الإسلام ابنُ تَيْمِيَّةَ - رحمه الله - قائلاً: "هي اسمٌ جامِع لما يُحِبُّه اللهُ ويَرضاه مِنَ الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة".
وبهذا تَشْمَل الحياةَ كلَّها؛ فالحياةُ كلُّها عبادةٌ لله، قال الله: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأعراف: 163،162].
إذاً فالمسلم يَنظُر للوقت على أنه الحياة.. الحياةُ التي يَجِب أن تكون كُلُّها لله؛ فيَأخُذُ لله ويُعطِي لله، يَتعبَّد اللهَ في كل شُؤونه وأعماله.
إن كل يَوْم يَمُرُّ مِن عُمُر الإنسان هو نَفَسٌ يَتنفَّسه مِن عُمُره، وكل يوم تُشرِق علَيه شمسُه لا يَعُود إلَيه أَبَداً.
وَكُلُّ يَوْمٍ مِنَ الأَيَّامِ يُعْجِبُنَا        فَإِنَّمَا هُوَ نُقْصَانٌ مِنَ الْعُمُرِ
قال مجاهِدٌ: ما مِن يَوْم إلا ويَقولُ: ابنَ آدمَ، قد دَخَلْتُ علَيك اليَوْمَ، ولسْتُ أَرجِع بعْد اليَوْم. فانظُرْ ما تَعمَل فِيَّ"[1].
وَنُسَرُّ  بِالْعَامِ  الْجَدِيدِ   وَإِنَّمَا        تَسْرِي بِنَا نَحْوَ الرَّدَى الْأَعْوَامُ
فِي كُلِّ يَوْمٍ زَوْرَةٌ مِنْ صَاحِبٍ        مِنَّا  إِلَى  بَطْنِ  الثَّرَى   وَمُقَامُ

الوقت المقتول:

إن الوقت هو الحياة، وحياتُنا هي غِراس حياتِنا الأُخْرى والكُبْرى، والذِين يُضَيِّعون أوقاتَهم في هذه الحياةِ إنما همُ المُفلِسون حقّاً في الحياة الأُخْرى.
قال الله: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} [المؤمنون: 115].
يُحِبُّ  الْفَتَى   طُولَ   الْبَقَاءِ   وَإِنَّهُ        عَلَى    ثِقَةٍ    أَنَّ     الْبَقَاءَ     فَنَاءُ
زِيَادَتُهُ  فِي  الْجِسْمِ  نَقْصُ   حَيَاتِهِ        وَلَيْسَ  عَلَى  نَقْصِ   الْحَيَاةِ   نَمَاءُ
إِذَا مَا طَوَى يَوماً طَوَى الْيَومُ بَعْضَهُ        وَيَطْوِيهِ  إِنْ  جَنَّ   الْمَسَاءُ   مَسَاءُ
جَدِيدَانِ لاَ يَبْقَى  الْجَمِيعُ  عَلَيهِمَا        وَلَا   لَهُمَا   بَعْدَ    الْجَمِيعِ    بَقَاءُ

إن الفراغ إذا اجتاح أُمَّة مِنَ الأُمَم أَفسَدَها، وأَفسَدَ أهلَها، إذ تَتَفشَّى فيها البطالةُ وتَزِيد الرذائلُ، وتَسُوء الأخلاقُ ويَعُمُّ الخلل حياةَ الناس.

وقديماً قال الشافعيُّ -رحمه الله-: "إذا لم تَشغَل نفسَكَ بالحق شَغَلَتْكَ بالباطل".
وإلى هذا أشار النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- مُنبِّهاً الذين لا يَكترِثون بفَواته، ولا يَعبؤُون بذهابه، الذين يَتعمَّدون قَتْلَه، ويُسيؤُون شَغْلَه، داعياً إلى اغتنام فُرصة الحياة والتزوُّد منها ليوم المَعاد؛ قال -صلى الله عليه وسلم-: ((اغْتَنِمْ خَمْساً قَبْلَ خَمْسٍ؛ حياتَكَ قبْلَ مَوْتِكَ، وصِحَّتَكَ قبْلَ سُقْمِكَ، وفَراغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وشبابَكَ قبْلَ هَرَمِكَ، وغِناك قبْلَ فَقْرِكَ))؛ رواه الحاكم في مستدركه.
قال المُناويُّ في شَرْح هذا الحديثِ: "يعني: اغتَنِمْ ما تَلقَى نفْعَه بعْدَ مَوْتكَ؛ فإنَّ مَنِ انقَطَعَ عَمَلُه، وفات أَملُه، حُقَّ ندمُه، وتَوالَى همُّه، واغتنمِ العَمَل حالَ الصِّحة، فقد يَمنَع مانعٌ، واغتنمْ فراغَكَ في هذه الدارِ قبْلَ شُغْلكَ بأهوال القيامة، واغتنمِ الطاعةَ حالَ قُدْرتكَ قبْلَ هُجُوم الكِبَر علَيْكَ، فتندم على ما فَرَّطْتَ في جَنْب الله. واغتنمِ التصدُّ

المزيد


وجاء الصيف !

يونيو 27th, 2007 كتبها عبدالرحمن السمان نشر في , صيفك على كيفك

الدكتور /على بادحدح

الموقع اسلاميات

المقدمة

كلنا يعلم أن التغيرات الاجتماعية تلقى تجاوباً وتغيراً في أحوال الناس أو ممارساتهم ؛ لأن هذه القضايا تعم وتشمل الناس و المجتمع ، إذ حينما تنتهي الدراسة أو يبدأ العمل أو تمنح فرص الإجازة ونحو ذلك ، تكون هناك من الأعمال والمناسبات ما لا يكون في غيرها .

وموسم الصيف أيضاً فيه كثير من القضايا التي تحتاج إلى لفت النظر والتنبيه ، لعلّ الفائدة تتم من خلال ذلك بعون الله جلا وعلا .

 

وسنذكر جملة من الموضوعات تمت هذه العناوين الرئيسة الخمسة :

أولاً : مفاهيم خاطئة .

ثانياً : ممارسات خاطئة .

ثالثاً : ميادين الخير .

رابعاً : مشاريع مقترحة .

خامساً : تتمات مما يتصل بالموضوع .

 

مفاهيم خاطئة

ونبدأ بالمفاهيم الخاطئة إذ أن كثيراً من الأعراف والممارسات تنطلق أصلاً من المفهوم الذي يستقر في أذهان الناس والمفاهيم تنحرف وتتبدل وتتغير ، إذا لم يكن هناك ارتباط بالثوابت وأصالة مع المنهج الإسلامي ووضوح فيما يجب وما لا يجب وما يجوز وما لا يجوز ونحو ذلك ، وتتغير المفاهيم أيضاً بالاختلاط والامتزاج بمجتمعات وثقافات وديانات مختلفة ومغايرة لما نحن عليه ، تهب علينا منها بعض الأفكار وبعض التصورات ويميل إليها بعض الناس وتتبدل حينئذ المقاييس والموازين .

 

    

ووقفتنا في هذه المفاهيم مع ما يتعلق بالصيف ، سيما في قطاع عريض وهو قطاع الطلاب و يتبعه قطاع الأسرة والمجتمع ؛ لأن الترابط يحصل بشكل واضح وظاهر ، فهناك مفهوم العطلة أو الإجازة والحقيقة أن الألفاظ بذاتها في بعض الأحيان تُلْقي ظلالاً من المفاهيم الخاطئة ؛ فإن كلمة العطلة عند الرجوع إلى كتب اللغة وقواميسها نجد أن المعنى الذي تتضمنه هذه الكلمة من حيث الاشتقاق يلقي ظلالاً على المفهوم الخاطئ الذي ينتشر عند بعض الناس .

 

في اللسان في لسان العرب يقول : " تعطل الرجل إذا بقي لا عمل له والاسم العطلة " ، يعني الاسم المشتق من هذه الفعل تعطيل الذي هو البقاء بلا عمل هو العطلة ، قال : " والمعطل الموات من الأرض وإذا ترك الثغر بلا حام فقد عطل الثغر " ، يعني من ثغور المسلمين إذا ترك مهملاً بلا حماية من الجند والجيش سمي ثغراً معطلاً ، والمواشي إذا أهملت بلا راع عطلت ، وكذلك الرعية إذا لم يكن لها وال يسوسها فهم معطلون وقد عطلوا أي أهملوا وإبل معطلة لا راعي لها ، ثم قال : " والتعطيل التفريغ " ، قال : " وقد يستعمل العطل للخلو من الشيء ، وإن كان أصله في اللغة في الحلي أصل الكلمة يقال امرأة عطلة أو عطلاء أي لا حُلِيّ لها، أي مجردة من الزينة خالية من الزينة، قال : " وقد يستعمل العطل في الخلو من الشيء وإن كان أصله في الحُلِيّ " فيقال  " عطل الرجل من المال والأدب فهو عُطْل وعُطُل " يعني لا مال عنده ولا أدب، فإذا تأملنا هذه الكلمات واشتقاقها ؛ فإننا نرى أن الظاهر في معنى العطلة أنه البطالة والفراغ والخلو من العمل والركون إلى عدم الجد والنشاط أو الاكتساب أو الزيادة في أي أمر من الأمور التحصيلية التي يعتادها الناس في علم أو عمل أو مال أو صلة أو نحو ذلك ، فرجلٌ عُطْل أو عنده عطلة أي يعني انه خال من كل شيء .

 

ومن خلال هذه الكلمات تجد أن مفهوم هذه الكلمة عند كثير من الناس ينطبق على هذا المعنى، فتجد أن قطاعاً من الطلاب ومن المجتمع في الأسر ، وكذا يقولون : العطلة يعني الفراغ الذي لا عمل معه ، وكأننا نعتبر هذا الوقت الطويل بما فيه من الساعات والأيام والأسابيع والشهور عطالة وبطالة خلو من العمل والجد والإنتاج ، ولك أن تستعجب وان تستغرب ، بل أن تستنكر أن يكون هذا المدى من الزمن الذي إذا حسبناه بالنسبة يبلغ نحو ربع العام ، وإذا تجاوز أو مد الإنسان في الحساب ؛ فإنه بالنسبة للطالب مثلا أو من يرتبط بترك العمل والتفرغ بنفس منهل وزمن الطلاب ؛ فإن الأمريكي ربع عمره عطلة .

 

ومن لطائف ما تذكره الصحف - أحياناً - حتى يعرف الإنسان أن الوقت اليسير أحياناً يكون ضخماً ، فإذا قال القائل العطلة شهر ونصف ، شهرين ونصف لا بأس أن تكون فراغاً وبطالة ما دام أنه هناك جد وليت الباقي فيه جد لكنه مخلوط في أكثره بكسل وخور ، أقول من لطائف ما ذكرت بعض الصحف في قراءة قديمة يحسبون بعض الأوقات اليسيرة في اليوم ثم يحسبوها في أسبوع ثم يحسبها بعد ذلك في وقت طويل ، فإذا بها زمن ذكرت بعض الصحف عن حلاقة الذقن وطبعاً بالذات عند غير المسلمين وحتى عند المفرطين حلاقة للذقن عندهم يومياً ، فقال : يستغرق زمن الحلاقة نحو ما بين عشر دقائق إلى ربع ساعة فإذا بها في الأربعة أيام ساعة ، وإذا بها في الأسبوع تقريباً ساعتين إلا ربع ، ثم حسبها بالعام فإذا بها أيام ثم إذا حسبتها في عدة سنوات إذا بها تبلغ يعني مبلغ الشهور فيتعجب الإنسان ، فيقول : هل يعقل لو قلت لإنسان ما إن رجلاً يستغرق شهرين أو ثلاثة من وقته يصرفها في حلاقة ذقنه لما صدق ، لكن في الواقع يقع مثل هذا كثيراً ، فالمعنى المفهوم الخاطئ هو أن نعرف أن هناك أوان يتصور الناس أن هناك عطلة ، وآتي أيضاً بالكلمة الأخرى وهي كلمة الإجازة التي تستخدم أيضاً في التعبير عن هذه الفترة من الزمن فيقولون : العطلة الصيفية وكذا الإجازة الصيفية .

 

أيضاً من كلام اللغة ومن لسان العرب يقول : جزت الطريق جوزاً أو جوازاً ، وجاز به وجاوزه وأجازه وأجاز غيره وجازه أي سار فيه وسلكه ، فمعنى جزت الطريق أو أجزت الطريق يعني سرت فيه وسلكته وأجازه ، قال : خلقه وقطعه يعني أجاز الطريق خلّفه وراءه، وقد قطع الطريق يعني انتهى من مرحلة ويستقبل  مرحلة أخرى جديدة .

 

ولذلك قال أيضاً : الاجتياز هو السلوك يعني أجتاز الشيء أي سلك فيه حتى يتجاوزه ، نحن نعرف يقولون : تجاوز الشيء ، وتقول في الدعاء : " اللهم تجاوز عنا " يعني اغفر لنا أي بمعنى أن يكون هناك انتقال من المؤاخذة لهذا العمل إلى غيره ، ثم قال : " والجواز صك المسافر " أي الذي يجوز به المراحل وينتقل به من منطقة إلى منطقة أو من مرحلة إلى مرحلة ، وهكذا اللفظ في لسان العرب ، يقول : " والجواز صك المسافر " ولا أعلم فيما أطلعت أو قرأت من التاريخ أن هناك جوازات كانت فيما مضى ، لكن ربما يكون هناك عند الاحتياج مثل السفير أو مثل الذي يبلغ رسالة أن هناك عنده ما يفيد انه يقطع مرحلة أو يجوز من مكان ، أو ينتقل يسمح له بالدخول إلى مكان ونحو ذلك .

 

وأجاز البيع أي أمضاه وفي الحديث : ( أجيزوا الوفد ) أي أعطوهم الجيزة ، والجائزة العطية وتكون العطية والجائزة في مقابل ما قطع من المرحلة ومعنى ، وفي هذا المعنى أيضاً الإجازة في العلم يقولون مثلاً : أجازه الشيخ إذا ختم الكتاب وقطع مرحلة أجازه أي أعطاه أما الجائزة المعنوية بأنه قد نال هذا العلم وشهد له به  .

 

أو أيضاً الإجازة بمعنى الشهادة - كما أشرت - أو يقول تتضمن أحياناً معنى الجائزة ، فمعنى الإجازة على هذا المفهوم عند كلام أهل اللغة أنه اجتاز مرحلة وأجيز بها ، يعني قطعها وشهد له بقطعها والذي ينتهي من مرحلة في غالب الأمر هل انتهى من مراحله كلها ، إذا كان انتهى من المراحل كلها فله أن يرتاح وأن يركن وأن يسكن ، ولكن نعلم أن الإنسان المسلم في هذه الحياة الدنيا ليست عنده مرحلة ينتهي فيها إلى حد حتى يلقى الله جل وعلا وبلفظ آخر أنفاسه كما قال الله جل وعلا : { واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } .

 

إذاً هذين المفهومين يمكن أن نصوغهما أي المفهومين الخاطئين يصاغان في معنيين نحتاج على التنبيه عليهما بشيء من التذكير والقصص والحوادث هناك من خلال هذه الكلمات والمقدمة ، أن هناك فراغاً لا بد أن نبحث أو أن هناك فترة نبحث فيها عن الراحة والبطالة ، ونصرف كل صورة من صور الجد والعمل ، وأن هناك فراغاً يحتاج الإنسان فيه إلى تضييع الوقت .. هذا المفهوم أو هذان المفهومان عن الناس أن هذا الوقت ينبغي أن يكون للراحة والسكون والخلود والكسل ، أو إذا كان هناك من حركة ؛ فإنها حركة في تبديد الوقت وتضييعه ومحاولة الاستمتاع دون النظر إلى ما يترتب على هذه الممارسة من فائدة ، ولذلك نقف عند هذين المفهومين ببعض من خلال هذه التعليقات اليسيرة .

 

أولاً : بالنسبة للراحة وللبطالة والوقوف عن العمل أمر لا يليق بالإنسان المسلم وليس في تصور المنهج الإسلامي ، إذ قيل لبعض السلف إلى ما تتعب نفسك قال : راحتها أريد ؛  فإنما تكون الراحة في العمل وفي الجد والطاعة ، وبذل كل ما من شأنه أن يحصل للإنسان منفعة دنيوية أو أخروية ، ما دامت في إطار الشرع، والنبي عليه الصلاة والسلام قال في الحديث الصحيح : ( لكل نفس شرة وفترة ) شرة يعني : جد وعزم في الطاعة وفترة أي : ضعف ، فماذا وصف الفترة - عليه الصلاة والسلام - قال ( من كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى ) ، يعني في حال الضعف لا يخرج عن السنة وعن أعمال الخير والطاعة ، على أن يكون خلواً من العمل فضلاً عن أن يمارس المعصية والمخالفة الشرعية ، وعندما نتأمل أيضاً في ضم المفهومين معاً فإن حياة المسلم ليس فيها فراغ، وتأمل قول الله جل وعلا في خطابه لرسول الله صلى الله عليه وسلم : { فإذا فرغت فانصب } ، قال ابن كثير - رحمة الله عليه - : " إذا فرغت من شأن الدنيا وأحوال العباد فانصب لعبادة ربك فليس هناك فراغ أصلاً في حياة الإنسان المسلم بل كل وقت وكل لحظة ينبغي أن يشغلها بعمل وجد يكتسب فيه من أمر الدنيا ويغتنم فيه من أجر الآخرة ما شاء الله له أن يغتنم ولذلك حس الإنسان المسلم يتجاوب مع المهمة والغاية التي خلق لها ومع التصور الإسلامي الذي يدور معه

 قد هيؤك لأمر لو فطنت له **** فأربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل

    

والنبي - عليه الصلاة والسلام - كما في صحيح البخاري قال : ( نعمتان مغبون فيهما ابن آدم الصحة والفراغ ) ، أي أن هذا الفراغ سمي فراغاً من حيث أنه فرصة للعمل وللاكتساب ، لكن القعود والنكوص والتخلف جعل الإنسان في صفقة غبن فيها ، يعني شعر بأنه لم يأخذ بقدر ما أعطى فهو قد صرف الوقت لكنه لم يجني من ورائه منفعة دنيوية مشروعة ولا أجراً أخروياً هو مفتقر إليه .

    

لـذلك إذا تـأمل الإنسان المسلم هذا المعنى ؛ فإنه يتأمل أيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( اغتنم خمساً قبل خمس .. ) ، وذكر فيه الحياة قبل الموت والفراغ قبل الشغل والشباب قبل الهرم وكل هذه المعاني الثلاثة والصحة قبل الفراغ كل هذه المعاني لو تأملنا ، سنجد أنها تتركز في معنى أن المسلم لا يليق به أن يفرط في الوقت وأن يفرط في الجد والعمل .

    

ولذلك النبي - عليه الصلاة والسلام - لم يجعل الانبعاث للعمل أمراً هيناً وادعاً بأن يقول اعملوا أو استغلوا  لا ! بل جاء النداء النبوي الكريم فيه نوع من الحث والحض الشديد ، إذ قال - عليه الصلاة والسلام - : ( بادروا بالأعمال سبعاً هل تنتظرون إلا فقراً منسياً أو غنى مطغياً أو هرماً مخلداً أو مرضاً مقعداً أو الموت أو الدجال فشر غائب ينتظر أو الساعة فالساعة أدهى وأمر ) .

    

إذاً هذا التصوير منه - عليه الصلاة والسلام - يدل على أن الأمر لا يحتاج إلى توان ولا إلى كسل ولا إلى تعطل وخلو من العمل ، بل العكس هو الصحيح والله - عز وجل - قال : { فاستبقوا الخيرات } ، وقال - جل وعلا - : { سابقوا إلى مغفرة من ربكم } ، وقال تعالى : { وفي ذلك فليتنافس المتنافسون }  وسيرة السلف الصالح - رضوان الله عليهم - في أفعالهم ومقالاتهم شاهد عظيم على أن هذا المفهوم - أي مفهوم الراحة والخلود وترك العمل أو مفهوم تبديد الوقت في نوع من المتع والأعمال الفارغة وتبديد الوقت في هذه المجالات سواء من الكسل والقعود أو من المجالات الفارغة السخيفة التافهة - أنه ليس وارداً في حس الإنسان المسلم ، ولم يكن في شأن ولا في سيرة أسلافنا رضوان الله عليهم  .

 

فالشافعي - رحمة الله عليه - ورد في ترجمته كما في سير أعلام النبلاء عن تلميذه أنه قال في وصفه أنه قسّم الليل أثلاثاً ثلث يكتب ثلث يصلي وثلث ينام ، قال الذهبي : قلت أفعاله الثلاثة عبادة بالنية ينقلب حتى النوم وحتى الكتابة في العلم عبادة لما نوى فيها من الخير، هذا إذا كان في الليل الذي هو موضع الراحة فكيف بالنهار الذي هو موضع العمل ، والله - عز وجل - ما خلق الليل والنهار ولا تتابعهما ألا ليكونا محل عمل و جهد في الطاعة ، كما قال سبحانه وتعالى : { تبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سرجاً وقمراً منيراً وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً }  خِلْفة أي يخلف بعضهما بعضاً .. لماذا ؟ لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً أن يغتنم هذا الوقت ، وقد ورد في الصحيح عند البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه : ( أعذر الله إلى امرئٍ أخر الله عمره حتى بلغ الستين ) ، أي قد مد له في العمر وانقطعت حجته ، وفرط في عمره وفي وقته فلم يكن حينئذٍ من عذر له إذا كان مواجهاً بالعقاب من الله سبحانه وتعالى .

    

أبو الوليد الباجي - وهو من علماء المالكية - يخاطب نفسه في مسألة استغلال الوقت فيقول : " إذا كنت أعلم علماً يقيناً بأن جميع حياتي كساعة فلم لا أكون ضنيناً بها واجعلها في صلاح وطاعة " ، العمر مثل غمضة عين يمر كأنه أحلام وتمر الأيام كأنها لحظات  فلماذا ما دام الأمر كذلك ،والانقضاء في الوقت مشارع أن لا يكون ضنيناً بوقته كما كان من شأن السلف الصالح .

     

ومن ذلك ابن عقيل أبو الوفاء بن عقيل الحنبلي يقول عن نفسه : " قد عصمني الله في شبابي بنوع من العصمة وقصر محبتي على العلم وما خالطت لعّاباً قط " ، ما كان هناك وقت للعب ولو كان هناك لو تجاوزنا وقلتا وقتاً للعب فإنه يكون بين عملين ينشط من الأول ليخفف من الأول وينشط للثاني ، أما أن يكون اللعب هو الغاية والتفريط في الأوقات فهذا ما لا ينبغي أن يكون " ، يقول " وما خالطت لعاباً قط ولا عاشرت إلا أمثالي من طلبة العلم وأنا - يقول عن نفسه - وأنا في عشر الثمانين يعني في الثمانين العاشرة من عمره يقول : أجد من الحرص على العلم أشد مما كنت أجده وأنا ابن عشرين وهو الذي يخاطب نفسه يقول : لا أجد في معنى كلامه حلاً وجوازاً في أن افرط في وقتي يقول : فإن تعبت عيني من نظر وكلت يدي من كتاب فلا أقل من أن أنطرح و أشغل فكري في أمر أو مسألة من الخير " .

   

أبو عبيد القاسم بن سلام في ترجمته - كما في وفيات الأعيان - كان يفكر في المسألة من مسائل العلم فإذا فتحت عليه قفز من شدة الفرح وربما مضى ليلة كاملة يفكر في بعض مسائل العلم حتى يفتح عليه فيها " .

 

وأبو بكر محمد بن عبد الباقي - وهو من سلالة كعب بن مالك رضي الله عنه - يقول : " حفظت القرآن وأنا ابن سبع سنين وما من علم إلا وقد نظرت فيه ، وحصلت منه الكل أو البعض إلا هذا النحو ؛ فإني قليل البضاعة فيه " ، ثم قال : " وما علمت أني ضيعت ساعة من عمري في لهو أو لعب ساعة " ، وليس أياماً وأسابيع وشهور بحجة الإجازة أو العطلة أو نحو ذلك .

    

وابن عساكر في وصفه كما في ترجمته في السير كان مواظباً على صلاة الجماعة وتلاوة القرآن ، وقيل في وصفه وكان يحاسب نفسه على لحظة تذهب في غير طاعة لحظة واحدة لا تذهب في غير طاعة ، وكان يشتغل - كما قال تلميذه  -  منذ أربعين سنة بالجمع والتصنيف والتسميع حتى في نزهته وخلواته حتى في نزهته وخلواته لا يخليها من الفائدة، لأن ليس هناك وقت للفراغ وللبطالة .

    

ولذلك أيضاً الإمام الحافظ عبد الغني المقدسي كان في وصفه أنه لا يضيع شيئاً من زمانه بلا فائدة ، ثم ذكر الذهبي جدوله اليومي جدول عجيب ليس فيه إلا الصلاة والتحديث والقرآن والمذاكرة في العلم بلا انقطاع وبلا ضياع وقت ، ولذلك هذه الصور وغيرها مما سيأتي ذكرها تتنافى مع مثل هذه المفاهيم التي تروج وربما روجها بيننا الأعداء لنخلد إلى الراحة ونترك الجد والعمل ، وما من سبب من أسباب البطالة والعطالة يمكن أن تأخذ به الأمة أو أن يسري في صفوفها إلا نجد من يعيننا عليه من أعدائنا ، فإذا كان الفراغ يحتاج إلى لعب عندهم من الألعاب ما يكفي الإنسان ليضيع عمره كله ولو أضيف إلى عمره عمراً آخر يضيع معه ، لو كان هناك للفراغ أفلام

المزيد